في الحلقة الثانية، حكى الأستاذ محمد ماݣري عن أسرته المتواضعة، وعصا المعلم، وأمه من الرضاعة، والكتب التي صنعت وعيه. في هذه الحلقة، يروي تجربته أستاذاً للرياضيات لأزيد من عشرين سنة، ومعركة الأعمال الاجتماعية للتعليم. اقرأ الحلقة الثانية
— عبد السلام مجلاوي
تنشر جسر ميديا يوميا، من 26 إلى 30 أكتوبر 2026، حلقة جديدة من سلسلة “حكايات الأستاذ محمد ماݣري”، المزداد سنة 1956 بحي بوشنتوف بالدار البيضاء. أستاذ الرياضيات لأزيد من عقدين، ونقابي في النقابة الوطنية للتعليم، وهو اليوم عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي. يروي في هذه السلسلة مسار نضال امتد من سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم. الآراء الواردة تلزم صاحبها.
محطات من الحلقة الثالثة
أستاذ الرياضيات: التعليم نضال
كان التعليم بالنسبة لي بمثابة نضال مع أبناء وبنات شعبنا حيث كنت أستاذا لمادة الرياضيات لأزيد من عقدين من الزمن، عشقت التدريس وتفننت في تنزيل طرق تدريسه وإشراك زملائي في دروس نموذجية متعلقة بمختلف مستجداته كما أطًرتُ العديد من الأساتذة المتدربين، إنني لما اخترت التعليم كانت لازالت سياسة التقويم الهيكلي لم يظهر آثارها ولم تتخلى الدولة بعدُ عن التعليم العمومي بسبب انشغالها بمغربة أطره و قد كان ذلك متعلقا فقط بالتخلص من الكلفة المالية للأساتذة الأجانب و كان ايضا قبل انتفاضة 20 يونيو 1981 بالدارالبيضاء وقبل اضراب 10/11 ابريل 1979 للنقابة الوطنية للتعليم والتي تعرض فيها رجال التعليم “للفلقة” بالملحقات الإدارية، وقد اخترت التعليم رغم هزالة الأجرة واعتبار هذا القطاع مرفق “سيبا “في بلاد المخزن على اعتبار أن نساءه ورجاله هم من أشد المعارضين وقد انتقم الحاكمون أكثر من العاملين به بإضافة ساعات عمل كتضامن مع قضية الصحراء من دون مقابل عوض الاستجابة لمطالب النقابة في تحسين الوضع بالقطاع من خلال زيادة في الأجور، وكان ذلك ايضا بعد انتفاضات 1984،
كيف ضُرب التعليم العمومي؟
ولم تكتف الدولة بذلك بل قامت بتعريب المواد العلمية دون أُفق وجعلت خمسون في المائة من نقطة التلاميذ بالباكالوريا بيد أساتذتهم حتى يعم الفساد بالقطاع، وبعد ذلك 25% من ما اسمته نقط المراقبة المستمرة كما قامت بإرهاق الاستاذ والتلميذ بمقررات يستحيل انجازها في مدة الساعات المخصصة لكل مستوى وفرضت استكمال المقرر مهما كان مستوى التلاميذ مما دفع التلاميذ و أباءهم الى الساعات الإضافية المؤدى عنها وبالتالي فقد التعليم العمومي عذريته و تم إسقاط مكانة المدرس و المدرسة العمومية من منظور اغلبية الشعب. وذلك لم يكن غريبا على سياسة دولة وحكومتها و وزارتها في التعليم في عهد عزالدين العراقي الذي اعتبرت في افتتاحية لمجلتها الرسالة التربوية( إن التعليم كالماء والهواء كلما زاد الطلب عليه قلت جودته )
«إن التعليم كالماء والهواء كلما زاد الطلب عليه قلت جودته»
افتتاحية «الرسالة التربوية»، كما يرويها محمد ماݣري
أي أن المطالبة بتعميم تعليم الأبناء هو السبب في فقدانه لجودته. هذا وقد أصبح التعليم يسير بعدة سرعات عوض توحيده وبذلك قد تم تحقيق ضرب المبادئ الأربعة التي كانت تنادي بها الحركة الوطنية المغربية.
والخلاصة أننا كنا أمام مخطط لضرب التعليم العمومي وتحطيم صورة نساء ورجال التعليم وهو ما نراه اليوم بالوضوح التام.ولم نتمكن من ما كنا نصبو إليه من تأطير تلاميذي.
الأعمال الاجتماعية: مسؤولية لم أطلبها
لقد تحملت مرغما عبء العمل الاجتماعي بالتعليم بعد نضال النقابة الوطنية للتعليم من أجل دمقرطة هذا المرفق، ففي عهد حكومة التناوب تم الاستجابة لهذا المطلب ونظمت الإدارة انتخابات بكل النيابات التعليمية، فأفرزت فوز النقابة الوطنية للتعليم بكافة المقاعد مما جعل الوزارة توقف الهيكلة الوطنية حتى تم الإعلان عن إحداث مؤسسة محمد السادس للنهوض بالاعمال الاجتماعية للتربية والتكوين في خطاب ملكي وحين ذاك سمحت الدولة باستكمال هيكلة المؤسسة وطنيا.
ففي الحقيقة لم نكن مستعدين كنقابة لإعطاء نموذجا ديمقراطيا فلم نكن نتوفر على أطر مؤهلة لتدبير مرفق اجتماعي وخصوصا من دون دعم يُذكر لأن ذلك الدعم تحول كليا إلى مؤسسة محمد السادس بما فيها قيمة الإنخراط الاجباري، حيث لم يتبقى للمؤسسة المنتخبة سوى مرافق متهالكة ومثقلة جلها بديون المزودين و ديون عبارة عن شيكات وكيمبيالات متراكمة على نساء ورجال التعليم، هذه المؤسسة الموروثة عن الإدارة التي كانت تنفرد بتدبيرها دون رقيب ولا حسيب كانت تُدبر من طرف إداريين معينين لهم صلاحية واسعة في وضع اليد على مؤسسات تعليمية وتحويلها إلى مرافق اجتماعية و رهن اشارتهم موارد بشرية بالوفرة
فلقد كانت بمتابة بقرة حلوب للمسؤولين، أما بالنسبة لي فلم أكن أرغب في الترشيح لتحمل المسؤولية بهذا المرفق وقد قام فرع النقابة بأنفا بترشيحي ضدا على إرادتي بل إنني لم أحضر وبالتالي لم أُشارك في اتخاد قرار فرز لائحة الترشيح وأنا نائب الكاتب العام للفرع لأنني ببساطة كنت مكلفا من طرف الحزب بتمثيله بلجنة متابعة الانتخابات الجزئية بعمالة المشور. وأصبحت من دون علمي كاتبا عام لفرع المؤسسة بأنفا لأنني حصلت على المرتبة الأولى بلائحة النقابة وبالتالي عضو الجمع العام الوطني..ولما حضرت الجمع العام تنازلت لأخ وأخت من الفرع لتمثيتنا باللجنة الادارية وتراجعت للخلف
فرع أنفا: نموذج رغم كل شيء
ولكن ما آلت اليه الأمور من بعد جعلني أتحمل المسؤولية لتصحيح او لنقل حفظ ماء وجه نقابتنا ولكنني لم أتمكن من ذلك إلا في حدود جهة الدارالبيضاء سطات حيث نظمنا العديد من الندوات الهدف منها التكوين و تصحيح الوضع وتوحيد أنشطة إشعاعية مع العمل على تبادل الخبرات ورغم ممانعة البعض فقد نجحنا شيئا ما في ذلك، واعطينا نموذجا بفرع أنفا من خلال هيكلته في وقته حيث تعاقب على الكتابة العامة بالفرع خمسة كتاب عامين، هذا ولكي لا تجد الإدارة مبررا لاسترجاع المرافق خاصة بعدما أصبحنا مجبرين كفرع وحيد بالمغرب على تأدية فاتورة الماء والكهرباء التي كانت تعتبر كدعم وحيد للمؤسسة، أصبحنا إذن نؤدي تلك الفاتورة ونحن من دون موارد مما جعلنا نتعاقد مع ذوي الاختصاص لتأهيل المرافق واستفادة المنخرطين وحتى الشركاء من تخفيض في الأثمنة ومعاملة خاصة مع انتفاع لفائدة الفرع للقيام بأنشطته الاجتماعية والثقافية والتكوينية والرياضية والاشعاعية.وبذلك حافظنا على المرافق الثلاثة للفرع بل واصبحت في حلة لائقة تليق بالأسرة التعليمية وتحفظ صورتنا كنقابة لدى الراي العام التعليمي….وعلى الصعيد الوطني لم نتمكن من الحفاظ على اللحمة لأننا أصبحنا وطنيا نقابتين تتقاسمان الأجهزة الوطنية الكدش والفدش وعلى صعيد الفروع بالتراب الوطني أزيد من اربع نقابات تتحمل مسؤولية التدبير المحلي والجهوي.
ومع كل ذلك فقد ساهمت بعض فروع هذه المؤسسة في تقوية التنظيمات النقابية وتوسيعها
حركة 20 فبراير: اليسار إلى جانب الشباب
في هذا الجزء، يعود الأستاذ ماݣري إلى حركة 20 فبراير 2011. لم يكن الشباب وحدهم في الواجهة: مناضلو أحزاب اليسار ونقاباته، من كل الأعمار، كانوا إلى جانبهم بالدعم المادي واللوجستي والمعنوي، وبعضهم دفع الثمن.

صحيح انني لم اتطرق لكل الأشياء ولكن ما ذكرت من عبور عبر الزمن قد يكون كافيا للأجيال الصاعدة فمثلا لم أتوقف عند حركة عشرين فبراير الذي كنت أحد منسقي لجنتها الداعمة بالبيضاء وقد كنت واحد من الضحايا حيث تعرضت للمحاصرة بمقر الكدش درب عمر صحبة الأخ العشاب من طرف البلطجية الذي كانوا يكسرون المقرات التي كانت تحتضن تجمعات شباب الحركة، ولم نتمكن أنا والعشاب من مغادرة المقر إلا بعد ساعات متأخرة من الليل فارين من خلف العمارة من هؤلاء البلطجية بمساعدة الجيران الذين يقطنون بعمارة المقر.
هذا وقد تقدم 12 من هؤلاء البلطجية بدعوى قضائية ضدي بدعوى حرمانهم من ولوج مقر الكدش بدرب عمر مع العلم أنا من تعرض للضرب حتى فُتحت جبهتي و قامت الكدش برفع دعوى ضد مجهولين قاموا بمهاجمة المقر واتلاف محتوياته وحصار مناضلين به حتى ساعات الصباح، الدعوى التي تقدم بها مجموعة من المحامين بهيئة البيضاء معززة بشهادة طبية تخصني من الطب الشرعي حصلت عليها في تلك الليلة وكنت صحبة العديد من المناضلات والمناضلين ومن بينهم الأستاذ المرحوم الشتنوفي دون ذكر العديد ممن لازالوا على قيد الحياة.
هذا وقد تم استنطاقي ليوم كامل بولاية أمن البيضاء في سنة 2013 اي بعد مرور سنة على ذلك الحادث حيث أصبحت مُشتكى به عِوض مُشتكي وقد حكمت علي المحكمة بالسجن الموقوف التنفيذ وغرامة. وقد أصدرت فيدرالية اليسار بيانا يدين ذلك الحكم الذي استأنفته هيئة الدفاع.
«أنا من تعرض للضرب حتى فُتحت جبهتي… فأصبحت مُشتكى به عِوض مُشتكي»
محمد ماݣري، عن حركة 20 فبراير بالدار البيضاء

وأنا أقدّم صديقي العزيز الأستاذ محمد ماݣري، وغنى مساره (الذي لا نعرف منه إلا جزءاً صغيراً)، يتسع تفكيري ليشمل أصدقاء ورفاقاً آخرين قد يرغبون في أخذ الكلمة، أو في تقديم شخصيات سياسية ونقابية وجمعوية وفنية أخرى، لإبراز إسهامها وتوثيق تاريخها وتجربتها. صفحات جسر ميديا مفتوحة.
للتواصل: jisrmedia@jisr.media
— عبد السلام مجلاوي
غدا، الحلقة الرابعة: من الاتحاد الاشتراكي إلى فيدرالية اليسار الديمقراطي.
الحلقات السابقة:
- حكايات الأستاذ محمد ماݣري (١/٥: حي بوشنتوف، حيث وُلد النضال)
- حكايات الأستاذ محمد ماݣري (٢/٥: المدرسة التي علمتني الحياة)
للمزيد في جسر ميديا:




