حيّ البحر · الفصل 1 — الطاكسي
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 1 من 46
الدار البيضاء، خريف 2025
يشدّ عادل على مقبض حقيبته كأن أحدًا سيأخذها منه.
خمس عشرة سنة، أو تكاد. في مونتريال وبروكسيل ومدريد، يدعونه ليتحدث عمّا عاشه. بالإنجليزية، وبالإسبانية، وأحيانًا بالألمانية. يُصغون إليه بذلك الاحترام المهذّب الذي يُخصّ به الناجون. أما هنا، فلا أحد ينظر إليه. عند باب المطار، للهواء رائحة الكيروسين، والبحر البعيد، والخبز الساخن في عربة متجولة. ويكفي ذلك ليختنق حلقه.
لم يُخبر أحدًا لماذا عاد.
يتوقف أمامه طاكسي كبير أبيض. ينزل السائق، ويرفع الحقيبة دون كلمة، ويثبّتها في الصندوق. يجلس عادل في المقعد الخلفي. المقعد دافئ، مهترئ، مرقّع بخيط لا يشبه لون القماش.
— فين؟
— عين الذياب. ولكن دوز على بورگون.
تظهر نظرة السائق في المرآة. نظرة متعبة، تَزِن.
— فين بالضبط فبورگون؟
يذكر عادل زنقة. يذكر مقهى «المنار»، حيث لم يكن أبوه يجلس أبدًا، وحيث كان كل أصدقائه يجلسون. يذكر حانوت سي حميدة، الذي كان يبيع السكر بالتقسيط والسجائر بالواحدة. يذكر أرضًا خلاء كانوا يلعبون فيها الكرة حتى يمحو الليل الكرة.
يهزّ السائق رأسه، ببطء.
— آ السي، هادشي ما بقاش من شحال هادي.
يسير الطاكسي. ينظر عادل إلى المدينة وهي تمرّ، ولا يعرفها. ترامواي ينزلق في صمت. أبراج من زجاج تلتقط الضوء. لوحات تعلن عن شقق «بإطلالة على الأساسي». يقول في نفسه إن المدينة واصلت سيرها بينما كان يظن أن حياته معلّقة خلف جدار.
يغادران الشارع الكبير. ثم تضيق الطريق، ويبطئ السائق أمام سياج يمتد مئتي متر. ملصقات تمجّد أسماء لم يحملها أحد قط في هذا البلد: Palm Heights، Ocean Prestige. وخلفها، رافعات نائمة.
— هنا، يقول السائق. ولا بالأحرى، هنا كانت.
يدفع عادل. ينزل.
البحر ما يزال هناك، يحسّه أكثر مما يراه. لكن أمامه، مكان البيوت الواطئة والغسيل في النوافذ والأطفال الذين يصرخون، ترتفع إقامة سكنية. واجهات زجاجية. نخيل مصطف كالحراس. مسبح بزرقة مستحيلة خلف سياج حديدي. وفوق البوابة، بحروف خافتة: Signature Living.
حارسان أمنيان ببذلتين داكنتين ينظران إليه دون حراك.
يبقى عادل طويلًا بلا حركة. يبحث عن علامة. زاوية جدار. شجرة. رائحة المصبنة التي كانت تجعل الشاطئ كله يفوح برائحة الصابون. لا شيء. لا شيء يجيبه.
يقترب أخيرًا من الحارس، شاب، وجهه أملس كقطعة نقدية جديدة.
— شنو كان هنا قبل؟
بالكاد يهزّ الحارس كتفيه.
— والو.
يبتسم عادل. ابتسامة حزينة، لا تبلغ العينين.
لأن هنا كان كل شيء. أمه، التي كانت تنشر الغسيل فوق السطح. أصدقاؤه، الذين اختفى بعضهم قبله. شبابه. حبه الأول، الذي لم يجرؤ يومًا على النطق باسمه. أحلامه، التي كان يرتديها آنذاك كمعطف أوسع من مقاسه.
ولم يعد أحد يتذكر شيئًا من ذلك.
يبقى هناك. تصعد الشمس، ثم تنزل. يتناوب الحراس. بستاني يسقي نخيلًا لم يعرف العطش قط. عادل لا يتحرك. السيارات الفاخرة تدخل وتخرج، وزجاجها الداكن يعيد إليه وجهه، أكبر سنًّا مما كان يتخيل.
حين يصير الضوء برتقاليًا، يعود الحارس نحوه، مترددًا. في صوته شيء يكاد يكون لطفًا.
— كتقلب على شي حد، آ السي؟
ينظر عادل إلى السياج، والنخيل، والمسبح، والبحر المختبئ خلفها.
— على راسي، يقول.
في جيبه، يهتز هاتفه.
رقم مجهول. رسالة من سطرين.
مرحبا بك من جديد يا عادل. ملّي تسالي من التقلاب على راسك، دوز عندي. م.
يعيد قراءتها. لم يُخبر أحدًا أنه عائد. يرفع عينيه ببطء نحو الحارسين، ثم نحو أعلى نافذة في البرج، حيث يلمع شيء لحظة. ربما الشمس. وربما زجاج نافذة يُغلَق.
الخيط · بعد خمس عشرة سنة من الغياب، يعود عادل إلى الدار البيضاء. اختفى حيّه تحت إقامة فاخرة، ومجهول يوقّع «م.» يعرف مسبقًا أنه عاد.
للتفكير · من كان يعرف أن عادل عائد، ولماذا راسله قبل الجميع؟
الفصل التالي: قاعة الزيارة ←
حيّ البحر · الفصل 2 — قاعة الزيارة
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 2 من 46
2018
كانت تنتظر منذ سبع سنوات، وهذه المرة كان للانتظار طعم المعدن.
كانت القاعة المشتركة تفوح برائحة البلاستيك الساخن، والعرق، وماء الكولونيا الرخيص الذي يُوضع في المناسبات. كراسٍ مثبّتة في الأرض. رقم مختوم على قطعة كرتون. مكبّر صوت يخشخش بأسماء لا تُسمع أبدًا كاملة. ومن حولها، أمهات بأكياس الحلوى، وزوجات بملفات، وطفل يلوّن رسمًا على ركبته. كان قد رسم بيتًا بمدخنة، كأن بيوت هذا المكان لها مداخن.
فتّشت حقيبتها عشرين مرة في الصباح. وضعت فيها صورة، ثم أخرجتها. وضعت منديلًا، ثم كتابًا، ثم لا شيء.
عند الباب، كان حاجّ ببذلة رسمية يقرأ اللائحة دون أن يرفع عينيه.
— نمرة واحد وربعين.
كانت هي.
في قاعة الزيارة صفّان من الطاولات يفصل بينهما زجاج سميك، مخدوش من سنوات من الأيادي الموضوعة في المكان نفسه. جلست. في الجهة الأخرى، كان الكرسي فارغًا. ثم انفتح باب، ودخل.
كان قد نحف، أكثر. أو لعلّه الضوء. ابيضّ شعره عند الصدغين، بياضًا لم يختره. جلس، ووضع يديه على الطاولة، ثم سحبهما في الحال، كأنه يخشى أن يتركهما تتكلمان.
— باينة عليك عيانة، قال.
كادت تضحك.
— حتى نتا.
بقيا لحظة دون كلام. خشخش مكبّر الصوت باسم. بكى أحدهم، على بعد طاولتين، دون صوت، بذلك التحفّظ الذي يُتعلَّم هنا.
كانت قد ردّدت هذه الجملة ليالي طويلة. في المطبخ، وفي الحافلة، وأمام المرآة. قالتها بصوت خافت، وبصوت عالٍ، بغضب، وبلطف. ولم تكن أي صيغة هي الصحيحة.
كانت يداها ترتجفان. أخفتهما تحت الطاولة.
— جيت نگول ليك شي حاجة.
لم يُجب. كان قد فهم. الرجال المحبوسون يفهمون كل ما له صلة بالهجران. إنه علمهم الوحيد.
— ما بقيتش قادرة، قالت.
كان صوتها هادئًا. فاجأها ذلك.
— ما بقيتش قادرة نعيش فقاعة الانتظار.
حدّق في الزجاج، في نقطة ما بمحاذاة كتفها.
— سبع سنين، تابعت. درت كلشي. صبرت ملّي مشات مّك. صبرت ملّي بّاك بطّل ما يجيش. صبرت قدّام الجيران، قدّام عائلتي، قدّام الناس كاملين. كانوا كيگولو ليا راكي شجاعة. واش عارف شنو كتعني شجاعة؟ كتعني بوحدك.
أغمض عينيه.
— أنا ما خليتكش، قالت. أنا كنسلّك راسي.
ظنّت أن هذه الجملة ستحرّرها. فاكتشفت أنها ثقيلة على القائل بقدر ما هي ثقيلة على السامع.
سعل الحاج من الخلف. كان وقت الزيارة يوشك أن ينتهي. أرادت أن تمدّ يدها، فضغطتها على الزجاج. ورفع هو يده، ببطء. لم تتلامس الكفّان. ولن تتلامسا أبدًا بعد ذلك.
نهضت. مشت حتى الباب دون أن تلتفت، لأنها كانت تعلم أنها إن التفتت، ستبقى.
في الخارج، كانت السماء تمطر. لم تفتح مظلّتها.
الخيط · سنة 2018، خلف زجاج قاعة الزيارة، تودّع امرأة رجلًا بعد سبع سنوات من الانتظار. لا يُنطق أي اسم.
للتفكير · من هما هذان الظلّان، وما الذي فرّق بينهما؟ احتفظوا بهذا الوجه في الذاكرة: سيعود.
حيّ البحر · الفصل 3 — المقهى
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 3 من 46
الدار البيضاء، فبراير 2011
كان مطر خفيف يتساقط على شارع محمد الخامس، من ذلك الذي لا يبلّل حقًا، لكنه يجعل المدينة تلمع كرصيف في فيلم.
في مقهى مليء بالدخان وسط المدينة، كان ستة شبان يحتلون الطاولة الكبيرة في العمق، تلك التي تُترك للزبائن الذين لا يطلبون شيئًا ويمكثون ساعات. حواسيب محمولة مفتوحة. أسلاك تجري من مقبس إلى آخر. كؤوس شاي بردت ونسي أصحابها شربها. وعلى كل شاشة، الصور نفسها: ساحة كبيرة، وأعلام، وحشود تهتف بالعربية بكلمة يفهمها الجميع.
— شوفو هادشي، قال ياسين. شوفو هاد الوجوه.
كان في الثانية والثلاثين، بياقة قميص سيئة الكيّ ونظارات يرفعها كل ثلاث دقائق. درس في فرنسا، وعاد منها مقتنعًا بأن الصحافة قادرة على تغيير العالم، ولم يجد بعدُ وسيلة ليُثبت ذلك.
— إلى كان ممكن تمّا، قال، علاش ما يكونش ممكن هنا؟
— حيت هنا، قال حمزة، عندنا بزاف ديال القهاوي.
ضحكات قليلة. كان حمزة في الثالثة والعشرين، بسترة خفيفة أكثر مما يحتمله الفصل. يتكلم بصوت عالٍ، ويتحرك كثيرًا، ولا يستقر في مكان. كان قد شارك في ثلاث مظاهرات، وينوي المشاركة في كل ما سيأتي.
— أنا كنتكلم بالجد، قال ياسين. غادي نطلق جريدة رقمية. ماشي موقع، جريدة بصح. تحقيقات. فيديوهات. نقاش. مع أي واحد عندو شي حاجة يگولها.
— وبأش من فلوس؟ سأل صوت هادئ.
لم تكد سلمى تتكلم منذ ساعة. كانت في الثامنة والعشرين، وبجانب فنجانها كاميرا صغيرة، ولها عادة النظر إلى الناس نظرًا حقيقيًا. كانت تصوّر منذ الآن. لا لتعرض. بل لتحفظ.
— غادي نلقاوها، قال ياسين.
— ديما كنلقاوها، قال رجل لم يكن قد فتح فمه بعد.
كان مراد أكبرهم سنًّا، في الخامسة والثلاثين، وأكثرهم ارتياحًا. كان يرتدي سترة ليست سترة مناضل. ابتسم لياسين، ابتسامة تجعلك ترغب في تصديق كل ما سيقوله بعدها.
— ماشي الفلوس هي المشكل، قال. المشكل هو نعرفو شكون اللي غادي نطلبو منو. وشنو غادي نعطيوه فالمقابل.
— أنا ما غادي نعطي والو، قال ياسين.
— ديما كنعطيو شي حاجة.
رفع عادل، في طرف الطاولة، عينيه عن شاشته. ستة وعشرون عامًا، وصوت رصين، ومناضل لا يعرفه أحد بعد. كان يقرأ منذ ساعة نصًّا عن العدالة الانتقالية، ووجد الآخرين صاخبين بعض الشيء.
— المشكل الحقيقي، قال، هو نعرفو شنو بغينا. ماشي شنو رافضين.
— بغينا كلشي، قال حمزة.
— ما يمكنش تبغي كلشي.
— علاش لا؟
كمال، الجالس بجانب عادل، لم يقل شيئًا. كان يدير ملعقته في كأس فارغة، بتلك الابتسامة الساخرة قليلًا لمن يتفرج على المشهد من جانبه. كان قد فهم منذ زمن أن قهوة هذا المساء ستكلّف أكثر من شاي الظهيرة، وفتّش جيوبه مرتين.
— وأنا بغيت فيلم، قالت سلمى. فيلم بصح. عليهم.
أشارت إلى الشاشات، ثم إلى القاعة، ثم إلى الشارع خلف الزجاج.
— علينا حنا.
لم يلتقط أحد كلامها. كانوا منشغلين بالكلام في الوقت نفسه. لكلٍّ منهم مشروع، واستعجال، وفكرة يظنها فريدة. ياسين يريد جريدة. حمزة يريد مظاهرة. سلمى تريد صورًا. مراد يريد أن يجد مستثمرين ولا يقول ذلك تمامًا. عادل يريد أن يفهم. كمال يريد أن يكون أصدقاؤه على حق.
كانوا جميعًا يظنون أنهم يدخلون التاريخ.
مرّ النادل الذي يقدّم القهوة بين الطاولات، وصينيته في توازن. وضع كأسي شاي، وجمع ثلاثة فناجين فارغة، ومدّ الحساب لشخص لم ينظر إليه. ثم اختفى خلف الكونطوار. لم يحفظ أحد اسمه. لم يسأل عنه أحد قط.
على بعد طاولتين، كان رجل يجلس وحده.
لم يكن يدوّن شيئًا. لم يكن يستعمل أي هاتف. طلب قهوة سوداء لم يكد يشربها. كان يُصغي. فقط. لم تكن نظرته تستقر على أي وجه، ومع ذلك بدا كأنه يعرفهم جميعًا.
من كان يعرف هذا الصنف من الرجال كان سيقول: حنش، مثل الأفعى. لكن لا أحد، حول تلك الطاولة، كان يعرف هذا الصنف من الرجال بعد.
في الخارج، كان المطر يواصل تساقطه. لم يكن يسقط بقوة. كان يسقط بصبر.
وعلى الطاولة الكبيرة، كرّر ياسين، بصوت أخفض، لنفسه:
— إلى كان ممكن تمّا…
وضع الرجل الوحيد فنجانه. نهض دون صوت، وترك ورقة نقدية على الطاولة، وخرج تحت المطر.
الخيط · فبراير 2011: ستة شبان يحلمون بجريدة، وبفيلم، وبمظاهرات. ووحيدًا في عمق المقهى، رجل يُصغي دون أن يدوّن شيئًا.
للتفكير · من حول هذه الطاولة لا يقول كل ما يريده حقًا؟ وعمّ يبحث رجل القهوة السوداء؟
→ الفصل السابق: قاعة الزيارة
الفصل التالي: ملعب الكرة ←
حيّ البحر · الفصل 4 — ملعب الكرة
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 4 من 46
حيّ البحر، يونيو 2004
يوم علمت خديجة أنها نالت الباكالوريا، كان الحيّ يفوح برائحة الغسيل، والسردين المشوي، والبحر.
علمت بذلك في الثانوية، من لائحة ملصقة على الباب، بين كتفين يتدافعان. كان اسمها هناك، اسمها هي، مكتوبًا بالآلة الكاتبة، بلا خطأ. قرأته ثلاث مرات. ثم خرجت دون أن تقول شيئًا لأحد، وراحت تمشي. كانت الأولى في العائلة. أبوها، النجّار، يعرف كيف يوقّع لكنه يقرأ ببطء. وأمها تعلّمت حروفها في الأربعين، خفيةً، بدفاتر أبنائها.
أخذت الطريق الأطول، ذاك الذي يمرّ بالملعب.
كان مستطيلًا كبيرًا من التراب المدكوك، محشورًا بين جدار المصبنة والطريق النازلة نحو الصخور. عمودان من حديد ملتويان يقومان مقام المرميين. وكان صيادو القصبة يجلسون خلفه، على الجدار القصير، ويحكمون على المباريات دون أن يرفعوا أعينهم عن قصباتهم. وحين تسقط الكرة عندهم، يعيدونها بركلة كسولة ودون كلمة.
في ذلك المساء، كانوا يلعبون.
جلست على الجدار القصير، بعيدًا قليلًا، وراحت تتفرج.
كان هناك كمال، في وسط الملعب، يتكلم أكثر مما يجري. يعلّق على كل لقطة، ويقلّد أصوات المعلّقين، فيُصفَّر عليه ويُصفَّق له في آن. الكل كان يحبه. كانت فيه تلك الخصلة التي قلّما نلاحظها عند من يضحكون كثيرًا: لم يكن يترك أحدًا وحيدًا أبدًا.
وكان هناك مراد، على الجانب، لا يكاد يلعب. في نحو الثامنة والعشرين، له عمل لا يعرف عنه أحد شيئًا، وطريقة في الوقوف عند حافة الأشياء كأنه يقرأ ثمنها. هو من كان ينظّم الدوريات. وهو من يحمل دفترًا صغيرًا أسود يسجّل فيه من يدين بماذا لمن، ومن أقرض، ومن وعد. لم يكن يصرخ أبدًا. وكانوا يُصغون إليه.
وكان هناك عادل.
كان عادل يلعب بشكل سيئ. يعرف ذلك، ولا يبالي. له ذلك الوجه، وجه الفتى الذي يفكر في شيء آخر، حتى وهو يجري. كانت تعرفه منذ الأزل. كبرا في الزنقة نفسها، بينهما أربعة أبواب. رأت أمه تنشر الغسيل فوق السطح كل صباح، والملاءات البيضاء تصفق في وجه السماء كالأشرعة. ورأت عادل يقرأ تحت عمود الإنارة حين ينقطع الكهرباء في بيتهم.
وتذكّرت، وهي تراه يجري، سنة الباكالوريا، التي لم تكن سنة بل بيتًا واحدًا طويلًا.
كانت المراجعة تجري عند هذا وذاك. يوم الإثنين عند كمال، حيث تقدّم أمه الشاي دون أن تسأل من الجائع. يوم الثلاثاء عند خديجة، حيث ينبغي خفض الصوت بسبب الأب الذي يسحج الخشب حتى في الليل. يوم الأربعاء عند عادل، فوق السطح، بين الملاءات. لم تكن الأبواب تُغلق أبدًا. كانوا يدخلون دون أن يطرقوا، ويتركون أحذيتهم عند العتبة، ويجد كلٌّ مكانه على زربية، أو سرير، أو درجة سلّم. وكانت الأمهات يتدخلن في كل شيء، يُطعمن الجميع، ويصحّحن تمارين رياضيات لم يحللنها قط بسلطة أستاذات جامعيات. لم تكن في حيّ البحر أبواب. كانت فيه عتبات.
كانوا يراجعون أمام برّادات أتاي بالنعناع، ثلاثة برّادات لستة دفاتر، والسفنج من عند الفاسي، منظومًا في سعفة نخل، ما يزال ساخنًا، يترك على دفاتر الفلسفة بقع زيت كانوا يسمّونها ملاحظات لجنة الامتحان. وكان طابور الفاسي بمثابة البارومتر. حين يتجاوز عشرة أمتار، يعرفون أن هناك جنازة، أو عرسًا، أو قرارًا من الحكومة.
وكانت تلك أيضًا سنة سي لحلو. كان أستاذ الفلسفة رجلًا نحيلًا، بسترة من القطيفة البالية، يدخل القسم بطرح سؤال بدل أن يقول صباح الخير. لم يكن يمارس السياسة. كان يفعل ما هو أخطر: كان يجعلهم يفكرون. يُعير الكتب، لا يعير الكتاب نفسه لتلميذين، بصبر بستاني. أعطى عادل مقالات عن العدالة. وأعطى كمال رواية مضحكة عن السجن، فضحك كمال حتى البكاء دون أن يرى ما سيأتي بعد. وأعطاها هي دواوين شعر لم تجرؤ يومًا على الاعتراف بأنها تقرؤها.
أما السيدة الشرايبي، أستاذة العلوم الاجتماعية، فكانت تفعل العكس بالفعالية نفسها: كانت تعطي الأرقام. كم أسرة في الغرفة الواحدة في الحيّ. كم طفلًا يغادر المدرسة في الثانية عشرة. كانت ترسلهم لإنجاز بحوث في الأزقة، دفترًا في اليد، كعلماء اجتماع صغار. فيعودون مصدومين، وفخورين.
لم يكن أيٌّ منهما يستقطب. وهنا جمال المسألة وخطرها. ذات يوم، بعد حصة، قال سي لحلو لعادل، كأنه يقول ذلك عرضًا: «كاينة جمعية فبوشنتوف كتقلب على ناس يعاونو فمحاربة الأمية.» وبعد أسابيع، ذكرت السيدة الشرايبي نادٍ سينمائي في درب غلف، ثم دار شباب في بن مسيك تحتاج من يتكفّل بمكتبتها. كل باب يفتح على باب آخر. لم يكن التلاميذ يرون فيها إلا فرصًا ليكونوا نافعين. أما الكبار خلف تلك الأبواب، فكانوا يرون فيها مناضلين في طور التكوين، وكانوا يعرفون كيف ينتظرون.
هكذا كان المرء يدخل السياسة في حيّ البحر: دون أن يدري، من باب المكتبة.
أما خديجة، فلم تتبع. فضّلت الدفاتر. وعادل قَبِل كل شيء.
تدحرجت الكرة حتى قدميها. أعادتها دون أن تقوم.
— نتي لعبتي الكرة فشي حياة أخرى، صاح كمال ضاحكًا.
— لا، قالت. غير كنتفرج بزاف.
في نهاية المباراة، جاء الجميع يغسلون وجوههم عند السقاية. لمحها عادل على الجدار القصير. تردّد، ثم اقترب وهو يمسح يديه في سرواله القصير.
— إيوا؟
— إيوا شنو؟
— اللائحة.
هزّت كتفًا واحدًا.
— خديتها.
ابتسم. ابتسامة كاملة، بلا حساب، من تلك التي قلّما نراها.
— كنت عارف.
فتّش في حقيبته وأخرج دفترًا مدرسيًا، مغلّفًا بورق الكرافت، مسوّدًا بخطّه المتراصّ.
— خودي. ساليتو البارح. هادو ملاحظات على كتب. غادي ينفعوك فالفاك.
أخذت الدفتر. كان لا يكاد يزن شيئًا. وأحسّت أنه يزن الكثير.
— غادي نردّو ليك، قالت.
— خلّيه عندك.
بقيا لحظة يتفرجان على الصيادين. لم يقل أيٌّ منهما ما لن يقوله طوال عشرين سنة.
— غادي تروّحي؟ سألها.
— إيه.
— نوصلك.
قطعا الطريق مشيًا، دون عجلة، والبحر يبتعد خلفهما. أمام مقهى «المنار»، لوّح لهما مراد بيده من طاولة كان يعدّ فيها شيئًا على أصابعه. وأمام حانوت سي حميدة، صاح كمال بنكتة حملتها الريح. مرّا تحت النوافذ، أمام الغسيل، بين الروائح.
حين وصلت أمام بابها، التفتت.
— شكرا على الدفتر.
— بلا جميل.
بقي لحظة، يداه في جيبيه، ثم ابتعد وهو يصفّر لحنًا نشازًا.
صعدت الدرج، ودخلت الغرفة التي تتقاسمها مع أخواتها، ووضعت الدفتر على سريرها. فتحته على الصفحة الأولى. قرأت سطرًا، ثم آخر. وفي الخارج، ما تزال أصوات الملعب تصعد، ممتزجة بارتداد الموج.
لم تُعِده أبدًا.
خبّأته في عمق درج، بجانب ورقة نتيجتها المطوية أربعًا. ودون أن تعرف لماذا، قالت في نفسها إن هناك أشياء ينبغي أن نحتفظ بها، لا لشيء إلا لأن العالم لن يحتفظ بها.
الخيط · عودة إلى 2004، قبل كل شيء: الحيّ، والمراجعة في كل البيوت، والأساتذة الذين يفتحون الأبواب. يُهدي عادل دفتره لخديجة، فلا تُعيده أبدًا.
للتفكير · ماذا يحوي هذا الدفتر المحفوظ عشرين سنة؟ ومن كان ينتظر خلف الأبواب التي فتحها الأساتذة؟
حيّ البحر · الفصل 5 — السفنج
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 5 من 46
حيّ البحر، صيف 2006
في حيّ البحر، كانت للسعادة رائحة الزيت الساخن.
كانت تبدأ في الخامسة صباحًا، أمام دكان الفاسي الصغير، مكعّب من الألواح والقصدير مطليّ بالأخضر لا ينتبه إليه أحد، إلا حين يتجاوز الطابور عشرة أمتار. حينها يعرفون. هناك جنازة، أو عرس، أو قرار من الحكومة. وفي ذلك السبت، كان الطابور أربعة عشر مترًا، ما يعني دوريًا.
كان كمال ينتظر دوره، يداه في جيبيه، في الحادية والعشرين، بقميص أوسع منه ومشاريع لا يدرّ أيٌّ منها شيئًا. أمامه جدّة، وعامل من المصبنة، وطفلان يتنازعان قطعة عشرة دراهم يرميانها في الهواء. وفي عمق الدكان، كان الفاسي يغطّس كرات العجين في الزيت، بحركة ساحر، ويقلّبها بقضيب من القصب، وينظمها في سعفة نخل عشرًا عشرًا.
— ربعة، آ سي الفاسي، قال كمال حين جاء دوره.
— ثلاثة، لكل واحد.
— راه نهار الدوري.
رفع الفاسي عينيه. كان له ساعدا حدّاد، ومئزر بلا عمر، ووجه رجل فهم باكرًا أن مهمته لا نهاية لها.
— نهار الدوري، قال أخيرًا، الحدّ كيطيح. كنعطيك اللي تقدر تهز.
ناوله عقدين، فضمّهما كمال إلى صدره كأنهما رضيع. وخرج، والزيت على أصابعه، يضحك وحده، ثم انطلق يجري نحو الملعب.
· · ·
كانت «كأس البحر» أقدم مسابقة في الحيّ، أي أن عمرها ثلاث سنوات. مراد هو من ابتكرها.
كان واقفًا عند حافة الملعب، الدفتر الأسود في يده، بقميص أبيض، مرتاحًا ارتياح عدلٍ في عرس. تكوّنت الفرق حسب المهن. فريق المصبنة، بأقمصة وردية غُسلت على عجل. فريق الصيادين، بسراويل مطويّة حتى الركبتين. فريق الگراجات، ببقع لا تُمحى على المرفقين. وفريق «بلا فريق»، خليط من أبناء العمومة والإعداديين والعاطلين يجمعهم أنهم لا يفوزون أبدًا.
كانت الكأس تتصدّر صندوق بيرة مقلوبًا: أنبوب سباكة مطليّ بلون البرونز، يعلوه دلفين من البلاستيك. لم يكن أحد يعرف من أين جاء الدلفين.
— آ مراد، همس كمال وهو يمدّ له سفنجة ما تزال تتصاعد منها الحرارة. شحال نراهنو؟
— بالسكر.
— بالسكر؟
— هنا كنراهنو بالكيلو. الورق كيضيع. السكر كيتّاكل.
ابتسم وسجّل شيئًا في دفتره. كان الراشد الوحيد في الحيّ الذي لا يدين له أحد بأكثر من يومين. كانوا يقولون عنه إنه صارم. وكانوا يقولون خاصة إنه يضبط حساباته بالسطر، وإن المرء يستطيع أن ينام مطمئنًا.
تحت شجرة تين، عند حافة الملعب، كان عادل يقرأ، جالسًا على الأرض، ظهره إلى الجذع، غير مبالٍ بالصراخ. وبجانبه خديجة، برّاد أتاي بالنعناع في يد وصينية كؤوس في الأخرى، تقدّم الشاي للمتفرجين بجدّية تلميذة مكلّفة بالحراسة. ومن حين لآخر، ترفع عينيها، تتأكد أن الكتاب ما يزال في يده، وأن الصفحة تنقلب، ثم تعود إلى خدمتها.
— ما شاف حتى گول، قال كمال وهو يجلس قربهما.
— شاف واحد، قالت خديجة.
— شمن واحد؟
— ديال الصفحة اثنين وربعين.
لم يرفع عادل رأسه. ابتسم وهو يقلب الصفحة.
· · ·
بدأت المباراة في التاسعة، تحت سماء زرقاء لا عيب فيها. أخرجت لالة زهور، أرملة الطابق الرابع، كرسيًا إلى شرفتها، وراحت توزّع نصائح تكتيكية، بأعلى صوتها، على لاعبين لا يسمعونها.
اتخذ كمال موقعه فوق جدار قصير، قنينة ماء مكان الميكروفون، وراح يعلّق.
— سيداتي سادتي، مساء الخير، ولا بالأحرى صباح الخير. معاكم مباشرة من الملعب التاريخي ديال حيّ البحر، قدّام ربعمية ألف متفرج، منهم ثلاثمية وتسعين ألف ما خلّصوش البلاصة. المصبنة، باللون الوردي، متقدمين بواحد لصفر. نقدرو نگولو بلّي اللعب ديالهم نقي.
ضحك الجمهور. وأدرك الصيادون التعادل بخطأ من الدفاع. فاتخذ كمال صوت مذيع وطني، رخيمًا، متأثرًا.
— وها هو التعادل. التعادل، سيداتي سادتي، هو اللي كيوقع ملّي البحر كيقرر ما يبقاش يتسنّى.
أبعد لاعب من الگراجات الكرة بركلة متوحشة. صعدت الكرة، ورسمت منحنى مهيبًا، ومرّت فوق الجدار القصير، وفوق جدار المصبنة، والطريق، والصخور، وغاصت في البحر دون رذاذ.
ساد صمت.
— والكرة، قال كمال بوقار، فواحد الحركة ديال النضج، ختارت البحر.
انفجر الملعب ضحكًا. وجرى طفل في نحو العاشرة، بسرواله الداخلي، نحو الصخور، وغطس، وسبح، وعاد بالكرة تحت ذراعه، مبلّلًا ومنتصرًا. فصفّقوا له كبطل وطني.
· · ·
ظهر حاجّ ببذلة رسمية نحو الحادية عشرة، على حافة الطريق، دفترًا في يده. جاء، كما شرح، من أجل مراقبة تجمّع. نظر إلى الملعب، والفرق، والدلفين البلاستيكي. سأل هل هناك ترخيص. أجابه مراد بأن هناك دوريًا.
سجّل الحاج شيئًا، وجلس على الجدار القصير، ومدّ يده. أعطاه كمال سفنجة. أكلها في صمت. وطلب ثانية.
في منتصف شوط النهائي، كان ما يزال هناك. وحين أعلن الحَكم المرتجل، خال من المصبنة، انسحابه بسبب الروماتيزم، كان الحاج هو من قام.
— ما عنديش الصفّارة، قال.
مدّ له طفل مزمارًا صغيرًا من البلاستيك البرتقالي، كان يحتفظ به في جيبه منذ حفل المدرسة. وضعه الحاج على شفتيه. وصفّر، صوتًا حادًّا ومضحكًا، فانفجر الحيّ كله ضحكًا.
وحكّم ضربة الجزاء في النهائي بجدّية مطلقة، ظهره مستقيم، وذراعاه مرفوعتان، كرجل يعرف أن التاريخ يراقبه. ضاعت الضربة. وفاز الصيادون. وانتقل الدلفين من يد إلى يد. كأنه حكم سليمان تحت شجرة تين.
— مزيان، قال مراد للحاج وهو يصافحه. غادي ترجع العام الجاي؟
— إلى كان الترخيص قانوني، قال الحاج بابتسامة عريضة.
· · ·
في المساء، كان هناك عرس فوق السطوح.
عرس ابنة أخت لالة زهور، التي تتزوج شابًا من المصبنة، أمام مئتي مدعوّ موزّعين على ثلاث عمارات موصولة بألواح خشب. زرابي مفروشة على الإسمنت، وطاولات مرتجلة، وبرّادات تتصاعد منها الحرارة فوق المجامر، وصواني حلويات بالعسل. وأطفال يجرون بين الهوائيات. والطبل يدقّ دون توقف، إيقاعًا صبورًا، قديمًا جدًا.
رقص كمال. رقص بشكل سيئ، بقناعة تامة. أمسك عادل من ذراعه، وجرّه إلى وسط الحلقة، وأداره مرتين قبل أن يستعيد كتابه. ضحك عادل، ضحكة بلا حساب، رأسه إلى الخلف.
— قرا لينا شي حاجة، قال كمال وهو يطلقه.
— ما حافظ والو.
— إيوا خترع.
فكّر عادل. نظر إلى البحر، بعيدًا جدًا، بأضواء مراكبه. قال بضع كلمات، بصوت خافت، من جملة لن يستطيع أبدًا أن يعيدها، تتحدث عن غسيل في الريح وعن أيادٍ لا نعرف كيف نفلتها. لم يصفّق أحد في الحال. ثم صفّق الجميع، بقوة.
خديجة، في الجهة الأخرى من الحلقة، كانت تحمل صينية الشاي. لم تقل شيئًا. كانت تنظر إلى عادل كما ننظر إلى شيء قرّرنا ألّا نطلبه.
كان مراد قد ابتعد، إلى حافة السطح، سيجارة في يده. يتأمل الحيّ من الأعلى: السطوح، وحبال الغسيل، والنوافذ المضاءة. كان يعدّ. يعدّ دائمًا، بحكم العادة، كما يصلّي غيره. رآه كمال من بعيد ولم يفكر في شيء.
· · ·
حين هدأ الحفل، صعد كمال إلى أعلى سطح، سطح المصبنة، وفي يده سفنجة باردة بقيت من الصباح. جلس على الحافة، ساقاه في الفراغ.
في الأسفل، كان الملعب نائمًا تحت القمر، بعموديه الملتويين، ودلفينه المنسيّ على صندوق. عاد الصيادون، بقناديل زيت معلّقة بقصباتهم. وكان البحر يُسمَع، لم يفقد شيئًا من المباراة.
فكّر في كل ما جرى في يوم واحد. كرة أُنقذت، وحاجّ صار حَكمًا، وعرس، وجملة قالها عادل دون أن يعرفها. وفكّر أن هذه هي السعادة: ألّا تعرف أنك تعيشها.
عضّ السفنجة. كانت باردة، دسمة قليلًا، حلوة قليلًا. كانت مثالية.
لم يكن يعلم أن للسعادة ثمنًا بالمتر المربع.
الخيط · صيف 2006: دوري، وحاجّ يصير حَكمًا، وعرس فوق السطوح. إنها السعادة، ومراد، والدفتر الأسود في يده، يمسك حسابها منذ الآن.
للتفكير · ماذا كان مراد يعدّ، في تلك الليلة، عند حافة السطح؟
→ الفصل السابق: ملعب الكرة
الفصل التالي: هيئة التحرير ←
حيّ البحر · الفصل 6 — هيئة التحرير
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 6 من 46
الدار البيضاء، مارس 2011
كانت رسالة الاستقالة في ثلاثة أسطر. أعاد ياسين كتابتها إحدى عشرة مرة كي لا تتجاوزها.
وضعها على مكتب رئيس التحرير، رجل في الثامنة والخمسين نجا من كل الوزراء ومن كل تغييرات الإخراج. قرأها رئيس التحرير دون أن يحرّك حاجبيه. ثم أعاد قراءتها. ثم نزع نظارته ونظر إليه طويلًا.
— عندك عائلة، آ ياسين.
— عارف.
— الكرا. خلصة كتطيح نهار خمسة وعشرين. بطاقة صحافة كتحل البيبان.
— عارف.
— وشنو بغيتي دير؟
— جريدة إلكترونية. مستقلة.
ابتسم رئيس التحرير ابتسامة لا شرّ فيها. كانت ابتسامة من سمع هذه الجملة من قبل، ويعرف كيف تنتهي.
— مستقلة على من؟
لم يُجب ياسين. لم يكن يملك الجواب بعد. كان يملك فقط حدسًا بأن الأمر الآن أو أبدًا.
· · ·
كانت زوجته تنتظره في المطبخ. أعدّت حساءً لم تلمسه. وفهم وهو يدخل أنها تعرف مسبقًا.
— درتيها.
— إيه.
بقيت واقفة طويلًا، يدها على ظهر كرسي. كانت جميلة جمال من كفّوا عن انتظار أن يلاحظهم أحد.
— عاود فكّر، قالت. الله يخليك. ماشي عليا أنا. علينا حنا.
أراد ياسين أن يضمّها. فتراجعت خطوة، بلطف.
— إلى ما جرّبناش دابا، قال، عمرنا ما غادي نديروها.
— كتگول حنا، أجابت. ولكن نتا اللي كتجرّب.
لم يجد ما يقوله. رفعت صحن الحساء، وأفرغته في المغسلة، وذهبت لتنام دون أن تشعل الضوء.
· · ·
كان مقرّ هيئة التحرير شقة في الطابق الثالث من عمارة بالمعاريف، بلا مصعد، برائحة رطوبة، واتصال بالإنترنت يتبخّر كلما سُخّن الماء. كان هناك فراش في زاوية، للّيالي الطويلة جدًا، وأسلاك تجري على طول الحواشي كالجذور.
كانوا أربعة في ذلك الصباح الأول. سلمى، تجرّب ميكروفونًا وهي تتكلم بصوت خافت. ومطوّر شاب لا يذكر أبدًا اسمه كاملًا. وطالبة في الحقوق تريد أن تكتب عن السجون. وياسين، واقفًا وسط الغرفة، دفتر في يده، يردّد لنفسه كلمات موقع لم يوجد بعد.
وصل مراد نحو الحادية عشرة.
دخل دون أن يطرق، كأنه كان يملك المفتاح دائمًا، بكوبي قهوة من الكرتون وملفّ بلاستيكي أزرق تحت إبطه. وضع قهوة أمام ياسين، دون أن يسأله هل يريدها.
— إيوا، أفقر هيئة تحرير فالمملكة؟
— الأكثر حرية، صحّحت سلمى دون أن ترفع عينيها.
ضحك مراد. طاف بالغرفة، ونظر إلى الجدران العارية، والفراش، والحاسوب الموضوع فوق كومة قواميس.
— غادي تصمدو ثلاثة شهور، قال. من بعد، خاصكم تخلصو الكرا، والسيرفورات، والسفر، والبرامج، والتنقلات. الأفكار غالية.
— غادي نلقاو.
— هادشي بالضبط.
فتح الملف الأزرق وأخرج منه كتيّبًا بورق صقيل. أخذه ياسين. على الغلاف، شعار خافت: كرة أرضية مرسومة، من خطوط رفيعة متقاطعة. وتحته، كلمة واحدة.
أطلس.
— شنو هادا؟
— برنامج، قال مراد. للصحافة الشابة. تكوين رقمي، ورشات ديال الكتابة، منح، معدّات، ولوج لسيرفورات مؤمّنة. حتى السفريات كاينة، باش تلاقيو زملاء فأوروبا. وكلشي ممول رسميًا لدعم الابتكار الإعلامي.
قلّب ياسين الصفحات. صور شبان مبتسمين حول طاولات فاتحة. وكلمات نحب قراءتها: استقلالية، ابتكار، مواطنة، مستقبل.
— شكون اللي كيموّل؟
— صناديق. شركاء. ناس كيآمنو بيكم.
— شمن نوع ديال الناس؟
هزّ مراد كتفيه، بتلك الخفّة المدروسة التي يملك سرّها.
— النوع اللي ما محتاجش يعرفكم باش يعاونكم.
أمسك ياسين الكتيّب لحظة أطول مما ينبغي. شيء ما، في أعماقه، همس بجملة سمعها في المقهى، قبل أسابيع: ديما كنعطيو شي حاجة.
ثم نظر إلى الغرفة. الفراش. الأسلاك. الكراء الذي لن يستطيع أداءه. سلمى، تحدّق فيه دون أن تقول شيئًا. وفكّر في زوجته، نائمة في العتمة.
— فين كنتسجلو؟ سأل.
ابتسم مراد.
— عندي الاستمارة.
أخرج ورقة ثانية من الملف الأزرق. كانت مملوءة إلى نصفها، بأسمائهم.
الخيط · مارس 2011: يترك ياسين عمله ليؤسس جريدة. ويقدّم له مراد «أطلس»، برنامجًا سخيًا، باستمارة مملوءة إلى نصفها بأسمائهم.
للتفكير · من ملأ نصف الاستمارة قبل حتى أن يُفتح الحديث؟
حيّ البحر · الفصل 7 — الشارع
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 7 من 46
الدار البيضاء، يوم أحد من مارس 2011
لم تكن الحشود تشبه ما تخيّلته سلمى.
ظنّت أنها سترى نهرًا، جسدًا واحدًا يتقدم بحركة واحدة. فاكتشفت مئات الناس متفرّقين، لكلٍّ خوفه، وخطوه، وحذاؤه، وحكايته. شيخ بجلباب رمادي يحمل لافتة مقلوبة دون أن يدري. وطالبتان تمسك إحداهما بيد الأخرى، تضحكان بصوت عالٍ جدًا. وأب يحمل ابنه على كتفيه، يسأله الصغير بصوت خافت هل قارب الأمر على الانتهاء.
كانت تصوّر. تصوّر الوجوه، لا الشعارات.
· · ·
أما ياسين، فكان يجري.
يجري من مجموعة إلى أخرى ودفتره في يده، يبحث عن نقابي وعد رئيس تحريره بمحاورته، ولم يكن هناك. أو كان هناك ولم يتعرّف عليه. كان الناس يتحركون بسرعة لا تسمح بالتحقق من هوية. ومع ذلك كان يدوّن. يدوّن جملًا، ونُتفًا، وشظايا بلد يتكلم أخيرًا بصوت عالٍ.
— سمح ليا، شكون نتا؟
— أنا واحد اللي جا، أجاب رجل دون أن يتوقف.
كتب ياسين الجملة. وجدها جميلة. وتساءل هل تكفي.
· · ·
أما حمزة، فلم يكن يجري. كان يمشي في المقدمة، متقدمًا قليلًا عن الآخرين، وحلقه محروق من الشعارات. صرخ بقوة منذ ساعة حتى لم يعد يعرف صوته. صار يبدو له آتيًا من شخص آخر، أكبر منه.
— حرية، كرامة، عدالة!
كانت الكلمات تدخل صدره وتخرج منه كالنار. أحسّ بأنه لا يُقهر. لأول مرة في حياته، لم يكن يخاف ممن يخافون منه.
· · ·
في مقدمة المسيرة، كانت شاحنة صغيرة بيضاء من نوع هوندا، مهشّمة، تسير بخطى بطيئة، وشبان فوقها يمسكون مكبّر الصوت.
لم يكن أحد يعرف لمن هي. كانوا يقولون: لخالة واحد. الكل عنده خالة.
إلياس، عشرون سنة، واقف فوق الصندوق، ذراعاه مفتوحتان، يغنّي أكثر مما يصرخ. وأنوار، خلف المقود، يضغط على المنبّه بالإيقاع كقائد أوركسترا. وكان المنبّه، لسبب لم يوضّحه أحد قط، يعزف أولى نغمات لا كوكاراتشا. وزينب توزّع المناشير من النافذة، بيد مرتجفة ورشيقة. وهند، تسعة عشر عامًا، وشاح أحمر حول عنقها، تمسك الميكروفون كما تُمسك باقة العروس: مستقيمة جدًا، جادّة جدًا.
— ارحلوا! صاحت.
— ارحلوا! ردّت الحشود.
— السلطة للشعب!
— السلطة للشعب!
صرّت بطارية مكبّر الصوت، صفيرًا مريعًا، فسدّت الصفوف الأولى آذانها وهي تضحك. وعاد إلياس يصرخ بملء رئتيه، بلا ميكروفون، بصوت لا ينتمي إلى أي حزب. فهدرت المسيرة. وللحظات، خُيّل للمرء أن المدينة كلها صار لها الصوت نفسه.
صوّرتهم سلمى لحظة، ووجدتهم جميلين. ولم يمنعها ذلك من أن تتساءل أين ينامون، وماذا يأكلون، ومن يدفع ثمن البنزين.
· · ·
في الوقت نفسه، على بعد ثلاثة شوارع، في مقهى شبه فارغ، كان مراد يشرب أتاي بالنعناع قبالة رجل ببذلة رمادية.
كان الرجل يتكلم فرنسية بلا لكنة، لكنها ليست لغته الأم تمامًا. وضع على الطاولة هاتفًا مقلوبًا، وبطاقة زيارة لا يمدّها، وابتسامة بتهذيب كامل.
— كتعرف بزاف ديال الناس هاد الأيام، قال.
— كنعرف اللي عندهم القيمة، أجاب مراد.
— هادشي غالي.
— كلشي كيتعلق بشنو غادي ندير بيه.
من خلف الزجاج، كان يُسمع من بعيد هدير المسيرة، كعاصفة تتنزّه. لم يلتفت أيٌّ منهما.
· · ·
اختنقت المسيرة فجأة عند ملتقى الطرق.
أحسّت سلمى بالدفع قبل أن تراه. حركة تراجع، ثم تقدّم، ثم أجساد تتزاحم بلا سبب. ضمّت كاميرتها إليها. أمامها، فقدت شابة توازنها. كانت ترتدي معطفًا أجمل من أن يكون لمظاهرة، وحذاءً قصيرًا أبيض، وعلى وجهها دهشة خالصة، دهشة من لم يُدفَع قط في حياته.
سقطت.
التفت حمزة عند الصوت. تردّد ثانية، لا أكثر. ثم شقّ الأكتاف، وأمسك ذراع الشابة، وأنهضها بحركة واحدة.
— لاباس؟ صاح فوق الضجيج.
— إيه… إيه، لاباس.
كان خداها محمرّين وعيناها تلمعان. لم تكن تعرف أهو الخوف أم شيء آخر. كانت تنظر إلى هذا الفتى النحيل جدًا، بسترته الخفيفة جدًا، الذي ما يزال يمسكها من المرفق كأنه نسي أن يتركها.
— شكرا.
— بلا جميل. أنا سميتي حمزة.
ابتسمت. لم تقل اسمها. قالت فقط:
— كنت خايفة تكون العنف كثر من هادشي.
— باقي ما سالاتش، قال ضاحكًا.
بقيا لحظة وجهًا لوجه، وسط الحشد الذي يلتفّ حولهما كما يلتفّ الماء حول حجر. ثم فرّقتهما حركة جديدة. اختفت في المدّ. ولم يرها ذلك اليوم.
لكن سلمى، على بعد عشرة أمتار، صوّرت كل شيء. لم تقصد ذلك. انزلقت عدستها نحوهما صدفةً، أو بذلك العناد الذي يجعل العين تلتقط ما لا يتكرر. نظرت إلى شاشة المراقبة. وجهان، ويد، ونظرة.
لم تحذف الملف.
· · ·
في المساء، حين تفرّقت الحشود وعادت الشوارع شوارع، جلس ياسين على كرسي عمومي، في شارع هادئ، وأصابعه مسودّة بالحبر. كانت لديه صفحات من الملاحظات، ولا حوار واحد، وإحساس مبهم بأنه شهد شيئًا أكبر منه.
لحقت به سلمى. جلست دون كلمة.
— صوّرتي؟
— بزاف.
— و؟
فكّرت.
— باقي ما عرفتش شنو عندي.
بقيا هناك، جنبًا إلى جنب، في الضوء البرتقالي لأعمدة الإنارة. ومن حولهما، كانت المدينة تستعيد أنفاسها. في مكان ما، كان راديو يبث أغنية خفيفة. وعبر قطّ الشارع.
— إلى كان ممكن تمّا، قال ياسين.
لم تُجب. كانت تتأمل يديها، اللتين ما تزالان ترتجفان قليلًا. وتساءلت، دون أن تقول ذلك، ماذا يفعل التاريخ بمن يصوّرونه.
الخيط · أول مسيرة كبرى، وشاحنة هوندا في المقدمة. تصوّر سلمى دون أن تعرف ما تحتفظ به، ويشرب مراد الشاي قبالة رجل ببذلة رمادية.
للتفكير · عمّ يتحدث مراد والرجل الرمادي، بينما يسير الآخرون؟ وأيّ وجه صوّرته سلمى دون قصد؟
→ الفصل السابق: هيئة التحرير
الفصل التالي: الكورنيش ←
حيّ البحر · الفصل 8 — الكورنيش
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 8 من 46
الدار البيضاء، خريف 2025
عند بوبكر، لم يتغير شيء منذ ثماني عشرة سنة، إلا الأسعار، وحتى هذه بالكاد.
يختبئ البار في الطابق الأول من عمارة بزنقة مصطفى المعاني، خلف باب زجاجي يُحسَب باب مكتب تأمين. خشب داكن على الجدران، ومقاعد من جلد اصطناعي متعب، ومروحة تصرّ منذ عهد أحدهم. تأتي سلمى إليه خميسًا في الشهر كي لا تفكر في شيء. تطلب بيرة. ولا تكاد تشربها.
— إيوا، آ مدام المخرجة، قال سي بوبكر وهو يمسح كأسًا سبق أن مسحها. باقة كتصوّري الناس اللي ما بغاوش يتصوّرو؟
— باقة.
— حرفة زوينة. عندي أنا العكس. كلشي بغا اللي يسمع ليه، وحتى واحد ما بغا يخلّص.
له ثلاث وستون سنة، وصدرية صوفية مزرّرة بالمقلوب، وكتمان من أُودِع كل شيء. في هذا البار، بكى الناس، وحلفوا، وخانوا، وطلبوا الزواج وفسخوه، أحيانًا في السهرة نفسها. بوبكر يقدّم. ولا يعيد أبدًا ما يسمع.
في الزاوية، قرب النافذة، رجل في نحو الخمسين يكتب في دفتر صغير بلولب. يكون هنا تقريبًا كل مساء. يطلب عصير برتقال، وهذا وحده مريب في مكان كهذا.
— هاداك، همس بوبكر وهو يتبع نظرتها، هو الشاعر ديال الدار. عند قدام الحومة، راه حنش، بحال الأفعى: عمرك ما تسمعو جاي، وديما كتعرف من بعد بلّي كان تمّا. كيكتب كلشي اللي كيتگال. عمرو ما خلّى بوربوار. كيگولو كيخلّصوه بالصفحة.
— وما كيضايقكش هادشي؟
— آ مدام، فهاد البلاد، السقف كيتصنّت، والحيوط عندها الودنين، والكراسي كتاخد الملاحظات. أنا كنسرفي البيرة. هادي هي الحاجة الوحيدة اللي باقي ما تأمّماتش.
ضحكت رغمًا عنها. شربت رشفة. اهتزّ هاتفها على الطاولة.
رقم لم تمحه قط، وإن لم تسمع ذلك الصوت منذ سنوات. رسالة، سطر واحد.
غدًا، السادسة. الكورنيش، أمام المنارة. تعالي وحدك، تعالي مشيًا. عمر.
عمر برادة. رجل هادئ، صبور، اشتغل لحساب الدولة ثم كفّ عن ذلك، دون أن يعرف أحد حقًا لماذا. أعادت قراءة الرسالة. وأعادت قراءتها مرة أخرى.
في الزاوية، قلب الشاعر صفحة.
· · ·
في الخامسة وخمسين دقيقة، يكون الكورنيش للصيادين، ولمن يركضون ليعاقبوا أنفسهم.
تأتي الريح من البحر، محمّلة بالملح والمازوت. قصبات الصيد تشكّل سياجًا هشًّا على طول الجدار القصير. عدّاؤون ببذلات رياضية فاقعة يمرّون لاهثين، والسماعات مثبّتة في آذانهم، مقتنعين بأنهم وحدهم في العالم. تمشي سلمى ويداها في جيبيها، والكاميرا بقيت في البيت لأول مرة منذ سنوات.
ينتظرها عمر أمام المنارة.
لقد شاخ. لا كما يشيخ الآخرون، لا في الوجه. في طريقة الوقوف، والكتفان منكمشتان قليلًا، كمن يحمل منذ زمن طويل شيئًا ثقيلًا وكفّ عن الشكوى منه. يمسك كيسًا بلاستيكيًا يبرز منه خبز طويل.
— خبز طري، قال حين رأى نظرتها. فهاد العمر، هادي أحسن طريقة باش تبان بريء.
— واش نتا بريء؟
— بريء؟ حتى واحد ما بريء، آ سلمى. ولكن كاينين اللي وجههم كيبان حسن.
ابتسم بالكاد. يمشيان جنبًا إلى جنب، دون عجلة. يسحب صياد سردينة صغيرة جدًا وينظر إليها بحزن يكاد يكون فلسفيًا.
— علاش أنا؟ سألت.
— حيت نتي اللي حضيتي التصاور.
توقف. أخرج من جيبه مفتاح USB، أسود، بلا علامة، ووضعه في كفّ سلمى كما توضع قطعة نقدية على عتبة مكان مقدّس.
خفضت عينيها. على الملصق الملتصق بالغطاء، حروف قليلة مخطوطة بقلم لبّاد.
ATLAS_FINAL.
— ما فاهمة والو.
— غادي تفهمي.
أخذ يدها برفق، وأغلقها على المفتاح.
— ديما كنتو كتظنّو بلّي كنتو مراقَبين. الحقيقة كفس من هادشي. نتوما عاونتو فبني السيستيم.
تصفق الريح ثيابهما. نورس يصيح، عاليًا جدًا. تفتح سلمى فمها لتقول شيئًا، أي شيء، اسمًا، سؤالًا.
تنبثق مجموعة من العدّائين بينهما، صاخبة، لاهثة، تبعثر الضوء بستراتها الصفراء. وحين تمرّ، لا يعود عمر هناك.
لم يبقَ إلا الخبز، موضوعًا على الجدار القصير، ما يزال دافئًا.
الخيط · عند بوبكر، تعرف سلمى من هم «الحناش». وفي الصباح الباكر، على الكورنيش، يسلّمها عمر برادة، رجل الظل السابق، مفتاحًا مكتوبًا عليه ATLAS_FINAL ثم يختفي: «نتوما عاونتو فبني السيستيم».
للتفكير · ماذا كان يقصد عمر: كيف يمكن للضحايا أن «يساعدوا في بناء» ما كان يراقبهم؟
→ الفصل السابق: الشارع
الفصل التالي: مستودع الأموات ←
حيّ البحر · الفصل 9 — مستودع الأموات
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 9 من 46
الدار البيضاء، بعد يومين
يرنّ الهاتف في التاسعة واثنتي عشرة دقيقة. رقم مجهول. تعرف سلمى قبل أن تجيب.
— مدام الناصري؟ الكوميسارية المركزية. واش نتي آخر واحد تاصل بيه السيد عمر برادة؟
تنظر من النافذة. شاحنة توصيل تسدّ الزنقة، وسائقها يسبّ شخصًا غير موجود.
— كتب ليا، إيه.
— تقدري تدوزي عندنا؟
— فين هو؟
— فمستودع الأموات، آ مدام.
صمت.
— شنو وقع ليه؟
— هادشي اللي بغينا نفهموه معاك.
· · ·
يختبئ مستودع الأموات خلف المستشفى، في بناية لا ينظر إليها أحد أبدًا، أدبًا. رائحة ماء جافيل وكرتون مبلّل. في الممر، عائلات تنتظر، جالسة صفًّا على كراسٍ حديدية، بتلك الكرامة المتعبة التي تمنحها الإدارة.
في الاستقبال، يفتح موظف خلف زجاج سجلًّا بحجم كتاب صلوات.
— صلة القرابة مع الميت؟
— حتى وحدة.
— صاحبك؟
تفكّر سلمى.
— معرفة.
— ما كايناش خانة «معرفة». كاين صاحب، زميل، جار، مول الدين.
— إيوا صاحب.
— كتشيري على «صاحب».
يمدّ لها استمارة وقلمًا مربوطًا بخيط.
— هادي باش ما يدّيوش الناس القلم، يشرح. غادي تتفاجئي بشنو كيدّيو الناس.
تؤشّر. ويرتّب الموظف الاستمارة بعناية أمين أرشيف.
— هنا، قال وهو ينظر إليها أخيرًا، عمرنا ما تلقّينا شكاية على الخدمة. الزبناء عندهم صبر نموذجي.
لا تعرف هل عليها أن تضحك. تبتسم. ويبدو راضيًا.
· · ·
المفتش، الذي سيناديه الجميع «الحاج» حذرًا أو سخرية، ينتظرها في مكتب ضيق جدًا، بلا نافذة، بنبتة خضراء من البلاستيك تبدو أكثر تعبًا منه. خمس وأربعون سنة، سترة مجعّدة، ربطة عنق مرخاة. من صنف الرجال الذين كفّوا منذ زمن عن الاندهاش، ويحزنهم ذلك قليلًا.
— طاح من الطابق الخامس ديال العمارة ديالو، قال دون مقدمات. البارح، حوالي الرابعة ديال الصباح.
— طاح؟
— هادا هو السؤال.
يفتح ملفًا رقيقًا.
— ثلاث فرضيات. حادثة. انتحار. ولا «شي حاجة أخرى». التقرير فطور التحرير.
— شمن وحدة غادي تربح؟
ينظر إليها المفتش طويلًا. في عينيه دعابة، لكنها دعابة لم تعد لها قوة الابتسام.
— اللي غادي تعيّي أقل عدد ديال الناس.
يغلق الملف.
— كتب ليك: الكورنيش، الستة، تجي بوحدك. مشيتي؟
— إيه.
— و؟
— هضرنا على الجو. هضر ليا على الخبز.
يهزّ المفتش رأسه، كأنها أعقل إجابة سمعها هذا الأسبوع.
— لقينا ثلاثة ديال الخبزات فالدار ديالو. طريين. كان كيشري للعسكر، هاد الراجل.
لا تقول سلمى شيئًا. في جيب سترتها، انغلقت يدها من تلقاء نفسها على شيء صغير صلب، أسود، بلا علامة.
· · ·
يقودونها إلى غرفة باردة، كلها زليج أبيض. يسحب موظف درجًا معدنيًا بصرير قطعة أثاث قديمة تُفتح يوم الرحيل.
عمر هناك.
يبدو هادئًا. أهدأ مما كان على الكورنيش. فقد وجهه تلك الثنية القلقة التي كانت تعرفها، وصار أخيرًا يبدو كمن لم يعد لديه ما يخفيه.
— هو هادا؟ يسأل المفتش.
— هو هادا.
— شكرا.
ينغلق الدرج.
في الممر، تصادف طفلًا صغيرًا يمسك يد أمه، مستقيمًا جدًا، جادًّا جدًا، بحذاء العيد. ينظر إليها وهي تمرّ. تبتسم له، بحكم العادة. لا يردّ.
في الخارج، الشمس وقحة. السيارات تطلق أبواقها. بائع كاوكاو يدفع عربته على الرصيف، غير مبالٍ بكل ما لا يُحمَّص.
تتوقف سلمى أمام الباب، تتنفس.
لم تقل شيئًا للمفتش. لا تعرف بعد لماذا.
في جيبها، يزن المفتاح ثلاثة غرامات. لم تحمل قط شيئًا بهذا الثقل.
يهتز هاتفها في يدها. وصلت رسالة للتو، من رقم سبق أن رأته يظهر على الشاشة، قبل ثلاثة أيام، ذات مساء، عند بوبكر. رقم عمر.
إن كنتِ تقرئين هذا، فلم يتسع لي الوقت لأقول لك كل شيء. لا تفتحي هذا الملف على جهاز سبق أن اتصل بأي شيء. ولا تبحثي عن الرقم سبعة. ليس الآن.
ترفع رأسها. في الشارع، لا أحد ينظر إليها. وهذا بالضبط ما يقلقها.
الخيط · مات عمر، سقط من طابق خامس. لا تقول سلمى شيئًا للشرطة، وتحتفظ بالمفتاح، وتتلقى رسالة أخيرة: «لا تبحثي عن الرقم سبعة. ليس الآن.»
للتفكير · حادثة، انتحار أم «شي حاجة أخرى»؟ ومن هو هذا الرقم سبعة الذي يُستحسن ألّا نبحث عنه؟
حيّ البحر · الفصل 10 — الورشة
حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 10 من 46
الدار البيضاء، 2011-2012
كانت المكوِّنة تُدعى السيدة بيرتييه، جاءت من بروكسيل، وكانت تؤمن بصدق بقوة الأوراق اللاصقة.
انعقدت الورشة في قاعة «أنفا» بفندق وسط المدينة، صباح جمعة، بموكيت عنّابي، وتكييف قطبي، وبوفيه حلويات صباحية هاجمه حمزة منذ الافتتاح، باسم الشعب. كان نحو ثلاثين صحفيًا ومدوّنًا وصانع فيديو شابًا يحتلون طاولات على شكل حرف U. وعلى كل واحدة، رزمة أوراق، وأقلام عليها شعار البرنامج، وعلبة بيضاء.
— فكل علبة، قالت السيدة بيرتييه بابتسامة جنّية عرّابة، غادي تلقاو تيليفون جديد. هدية من أطلس. باش تجرّبو التطبيقات ديالنا ديال العمل التشاركي.
— نقدرو نخلّيوه عندنا؟ سأل حمزة وفمه ممتلئ.
— طبعًا.
— إيوا غادي نجرّبو مدة طويلة بزاف.
ضحك. فتحت سلمى علبتها. جهاز أملس، خفيف، بنظافة تكاد تكون فاضحة. قلّبته بين أصابعها، ولم تشعر بالفرح الذي كان يُفترض أن تشعر به.
— التمرين الأول، أعلنت المكوِّنة وهي توزّع الأوراق. خريطة المنظومة ديالكم. كتكتبو أسماء الناس اللي كتخدمو معاهم، وكتعطيوهم لون: الأخضر للثقة الكاملة، البرتقالي للحذر، الأحمر للنزاعات. هادشي غادي يعاونّا نفهمو الحاجيات ديالكم مزيان.
ساد صمت مجتهد. وراح كلٌّ يرسم دوائر وأسهمًا كما في المدرسة الابتدائية.
ملأ ياسين الورقة كلها، ثم ظهرها، ثم طلب ورقة ثانية. أما سلمى فلم تكتب شيئًا تقريبًا. لم تكن ترسم من تصوّرهم، تطيّرًا. ورفع حمزة يده.
— آ مدام، نقدر نزيد العائلة ديالي؟
— طبعًا.
— عمّي، غادي نديرو بالأحمر. نزاع دائم. الورث.
— هادي حوايج كتوقع، قالت السيدة بيرتييه بتعاطف.
— والجار ديال قبالتي، بالأحمر حتى هو. الدجاجة ديالو كدير الصداع بزاف.
سرى الضحك في القاعة. ودوّنت المكوِّنة ملاحظات، بصبر من حسبوا لكل شيء حسابه.
في الطرف الآخر من الحرف U، كان مراد قد انتهى في عشر دقائق. كانت ورقته بجمال يكاد يكون وقحًا: أسماء مصطفّة، وألوان رصينة، وروابط مرسومة بالمسطرة. أخذتها السيدة بيرتييه، وقرأتها، ورفعت عينيها.
— ممتاز، السيد الأزهري.
— شكرا، قال مراد بابتسامة متواضعة. كنت حريص تكون مفيدة.
· · ·
في الأحد التالي، كانت هناك مظاهرة. ومساء السبت، كانوا يجتمعون.
كان مقرّ الرفاق في زنقة أگادير يحتل طابقًا ثانيًا بلا مصعد، في عمارة يفوح درجها برائحة الحريرة والصباغة. غرفة رئيسية، ومطبخ صغير جدًا، وشرفة تطلّ على أسلاك كهربائية. أربعة عشر شخصًا يتكدّسون فيها، جالسين على ستة كراسٍ، وثلاثة صناديق كرتون، ومدفأة مطفأة. أحدهم أحضر ترمس شاي. وآخر، كيس خبز.
— أيها الرفاق، بدأ سي عبد الكريم، الذي يترأس لأن له أخشن صوت، علينا أولًا أن نحسم جدول الأعمال.
— عندنا جدول الأعمال، قالت شابة. راه مكتوب.
— أقترح نقطة نظام حول جدول الأعمال.
— أقترح نقترحو من بعد أتاي.
دار نقاش خمسًا وعشرين دقيقة حول الشعار الرئيسي. هل نحتاج كلمة قوية، أم كلمة ليّنة، أم كلمة بالعربية، أم بالأمازيغية، أم كلمة يمكن الصراخ بها دون أن يختنق المرء؟ اقترح حمزة الشعار نفسه ثلاث مرات، بتنويعات. ونام أحدهم على صندوقه، فمه مفتوح، بملامح سلام عميق.
— وإلى شدّونا؟ سأل طالب، شاحب جدًا.
— ما غاديش يشدّونا، قال سي عبد الكريم.
— وإلى شدّونا؟
— إيوا شكون غادي يحضي العلم؟ سأل حمزة.
— وشكون غادي يجيب السندويتشات؟ أضاف أحدهم.
— فالحبس، قال حمزة بجدّية كبيرة، داخلين فالثمن. سوّلت.
كان الضحك صادقًا، أطول قليلًا مما ينبغي. وفي عمق الغرفة، في ظل الشرفة، لم تضحك سلمى. كانت تنظر إلى المصباح العاري في السقف، وتتساءل لماذا ترغب في إطفائه.
حين كانت المجموعات تتجاوز ثلاثين شخصًا، كانوا يصعدون إلى درب عمر، إلى الغرفة الخلفية لمتجر أثواب، حيث يتكلمون بين لفافتين من القطن، تحت نظرة صاحب متسامح لا يطرح أي سؤال. كانت الجدران هناك أسمك، كما يقال. والآذان أصغر.
· · ·
بعد الاجتماع، نزلوا إلى مرس السلطان.
عند بوبكر، مساء السبت، كان المكان مكتظًّا ولا أحد يفكر في الغد. كان الدخان يصعد إلى السقف في دوائر صبورة. أحدهم وضع أغنية لأم كلثوم لا يُصغي إليها أحد حقًا، لكن لا أحد يقطعها. وبوبكر، أصغر بأربع عشرة سنة لكن مزرّر بالمقلوب منذ ذلك الحين، قدّم دون أن يسأل.
— الثوار كيشربو بالكريدي، قال. كنكتبها فقلبي.
— قلبك هو أحسن خزنة عندك، قال حمزة.
— هي الوحيدة اللي حتى واحد ما كيفتّشها.
جلسوا إلى الطاولة الكبيرة في العمق، بين عمودين. دفع مراد الجولة الأولى دون أن يطلب منه أحد.
— أنا ما كنخلّصش، قال حين احتجّ ياسين. أنا كنستثمر.
— فشنو؟
— فالمزاج الزوين ديالكم. هي المادة الأولية الوحيدة اللي ما كتعتمدش على الاستيراد.
تحدثوا في كل شيء. عن المكوِّنة وأوراقها اللاصقة. عن رئيس تحرير ياسين، الذي بعث رسالة تعزية بدل التهنئة. عن زوجة النقابي الذي لا يُعثَر عليه. قلّد حمزة السيدة بيرتييه بصوت جنّية وحركة عصا سحرية، فصارت الطاولة خمس دقائق فمًا واحدًا يضحك.
على طاولة مجاورة، كان شاب بنظارات، عصير برتقال أمامه، يكتب في دفتر بلولب.
— هاداك؟ قال بوبكر وهو يتبع نظرة سلمى. طالب فالآداب. كيكتب رواية.
— على شنو؟
— علينا، بلا شك. كلشي كيكتب علينا.
ضحكوا من جديد. ابتسم الشاب دون أن يرفع عينيه، بأدب زبون لا يريد إزعاج أحد.
نظرت سلمى إلى هاتفها، الموضوع قرب كأسها. كانت قد شحنته بالكامل قبل أن تخرج. كانت الشاشة تُظهر واحدًا وثلاثين في المئة.
— التيليفون ديالي كيموت، قالت.
— غيران، قال حمزة. كيشوفك كتهضري مع آخرين.
— كيدير الرياضة، قال ياسين. هاد الوقت ديالها.
— جاي من الورشة، قال مراد رافعًا كأسه. مربّي مزيان بزاف باش يبقى ناعس.
انفجرت الطاولة ضحكًا. ابتسمت سلمى، أدبًا. وضعت الهاتف مقلوبًا على الطاولة، ثم قلبته، ثم أدخلته في حقيبتها.
— شي واحد كيتصنّت علينا، همست، نصف جادة، نصف ساخرة.
— شي واحد ديما كيعرف قبل منّا، أكمل حمزة بصوت فيلم تجسس.
ضحكوا أكثر. مسح بوبكر كأسًا. وفي عمق القاعة، وسط الدخان، أغلق الشاب دفتره، وترك بعض القطع النقدية على الطاولة، وخرج.
لم يترك بقشيشًا.
الخيط · 2011-2012: ورشة «أطلس» توزّع هواتف جديدة وتجعل كل واحد يرسم «خريطة» علاقاته. ويسلّم مراد خريطته في عشر دقائق. وفي المساء، عند بوبكر، يمزحون: «شي واحد كيتصنّت علينا.»
للتفكير · فيمَ استُعملت تلك الخرائط، وتلك الهواتف المهداة بابتسامة؟
→ الفصل السابق: مستودع الأموات
الفصل التالي: المطبخ ←



