نشرة جسرمن نحن✍️ اكتبوا معنا🌐 الرئيسية
الخميس، 29 أكتوبر 2026🤝 شريك أو معلن؟ تواصلوا معنا ←
إعلان
📢مساحة إعلانية728×90 — Leaderboard · AdSense / Ezoic
🗳️ الانتخابات
🔴 مباشر
الفن والثقافة

حيّ البحر · الفصل 3 — المقهى

كان مطر خفيف يتساقط على شارع محمد الخامس، من ذلك الذي لا يبلّل حقًا، لكنه يجعل المدينة تلمع كرصيف في فيلم.

حيّ البحر · الفصل 3 — المقهى

«حيّ البحر»، رواية سليم حكيم — الفصل الكبير الأول — الوهم

اقرأ من البداية: الفصول من 1 إلى 2

حيّ البحر · الفصل 1 — الطاكسي

حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 1 من 46

الدار البيضاء، خريف 2025

يشدّ عادل على مقبض حقيبته كأن أحدًا سيأخذها منه.

خمس عشرة سنة، أو تكاد. في مونتريال وبروكسيل ومدريد، يدعونه ليتحدث عمّا عاشه. بالإنجليزية، وبالإسبانية، وأحيانًا بالألمانية. يُصغون إليه بذلك الاحترام المهذّب الذي يُخصّ به الناجون. أما هنا، فلا أحد ينظر إليه. عند باب المطار، للهواء رائحة الكيروسين، والبحر البعيد، والخبز الساخن في عربة متجولة. ويكفي ذلك ليختنق حلقه.

لم يُخبر أحدًا لماذا عاد.

يتوقف أمامه طاكسي كبير أبيض. ينزل السائق، ويرفع الحقيبة دون كلمة، ويثبّتها في الصندوق. يجلس عادل في المقعد الخلفي. المقعد دافئ، مهترئ، مرقّع بخيط لا يشبه لون القماش.

— فين؟

— عين الذياب. ولكن دوز على بورگون.

تظهر نظرة السائق في المرآة. نظرة متعبة، تَزِن.

— فين بالضبط فبورگون؟

يذكر عادل زنقة. يذكر مقهى «المنار»، حيث لم يكن أبوه يجلس أبدًا، وحيث كان كل أصدقائه يجلسون. يذكر حانوت سي حميدة، الذي كان يبيع السكر بالتقسيط والسجائر بالواحدة. يذكر أرضًا خلاء كانوا يلعبون فيها الكرة حتى يمحو الليل الكرة.

يهزّ السائق رأسه، ببطء.

— آ السي، هادشي ما بقاش من شحال هادي.

يسير الطاكسي. ينظر عادل إلى المدينة وهي تمرّ، ولا يعرفها. ترامواي ينزلق في صمت. أبراج من زجاج تلتقط الضوء. لوحات تعلن عن شقق «بإطلالة على الأساسي». يقول في نفسه إن المدينة واصلت سيرها بينما كان يظن أن حياته معلّقة خلف جدار.

يغادران الشارع الكبير. ثم تضيق الطريق، ويبطئ السائق أمام سياج يمتد مئتي متر. ملصقات تمجّد أسماء لم يحملها أحد قط في هذا البلد: Palm Heights، Ocean Prestige. وخلفها، رافعات نائمة.

— هنا، يقول السائق. ولا بالأحرى، هنا كانت.

يدفع عادل. ينزل.

البحر ما يزال هناك، يحسّه أكثر مما يراه. لكن أمامه، مكان البيوت الواطئة والغسيل في النوافذ والأطفال الذين يصرخون، ترتفع إقامة سكنية. واجهات زجاجية. نخيل مصطف كالحراس. مسبح بزرقة مستحيلة خلف سياج حديدي. وفوق البوابة، بحروف خافتة: Signature Living.

حارسان أمنيان ببذلتين داكنتين ينظران إليه دون حراك.

يبقى عادل طويلًا بلا حركة. يبحث عن علامة. زاوية جدار. شجرة. رائحة المصبنة التي كانت تجعل الشاطئ كله يفوح برائحة الصابون. لا شيء. لا شيء يجيبه.

يقترب أخيرًا من الحارس، شاب، وجهه أملس كقطعة نقدية جديدة.

— شنو كان هنا قبل؟

بالكاد يهزّ الحارس كتفيه.

— والو.

يبتسم عادل. ابتسامة حزينة، لا تبلغ العينين.

لأن هنا كان كل شيء. أمه، التي كانت تنشر الغسيل فوق السطح. أصدقاؤه، الذين اختفى بعضهم قبله. شبابه. حبه الأول، الذي لم يجرؤ يومًا على النطق باسمه. أحلامه، التي كان يرتديها آنذاك كمعطف أوسع من مقاسه.

ولم يعد أحد يتذكر شيئًا من ذلك.

يبقى هناك. تصعد الشمس، ثم تنزل. يتناوب الحراس. بستاني يسقي نخيلًا لم يعرف العطش قط. عادل لا يتحرك. السيارات الفاخرة تدخل وتخرج، وزجاجها الداكن يعيد إليه وجهه، أكبر سنًّا مما كان يتخيل.

حين يصير الضوء برتقاليًا، يعود الحارس نحوه، مترددًا. في صوته شيء يكاد يكون لطفًا.

— كتقلب على شي حد، آ السي؟

ينظر عادل إلى السياج، والنخيل، والمسبح، والبحر المختبئ خلفها.

— على راسي، يقول.

في جيبه، يهتز هاتفه.

رقم مجهول. رسالة من سطرين.

مرحبا بك من جديد يا عادل. ملّي تسالي من التقلاب على راسك، دوز عندي. م.

يعيد قراءتها. لم يُخبر أحدًا أنه عائد. يرفع عينيه ببطء نحو الحارسين، ثم نحو أعلى نافذة في البرج، حيث يلمع شيء لحظة. ربما الشمس. وربما زجاج نافذة يُغلَق.

الخيط · بعد خمس عشرة سنة من الغياب، يعود عادل إلى الدار البيضاء. اختفى حيّه تحت إقامة فاخرة، ومجهول يوقّع «م.» يعرف مسبقًا أنه عاد.

للتفكير · من كان يعرف أن عادل عائد، ولماذا راسله قبل الجميع؟


الفصل التالي: قاعة الزيارة ←

حيّ البحر · الفصل 2 — قاعة الزيارة

حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 2 من 46

2018

كانت تنتظر منذ سبع سنوات، وهذه المرة كان للانتظار طعم المعدن.

كانت القاعة المشتركة تفوح برائحة البلاستيك الساخن، والعرق، وماء الكولونيا الرخيص الذي يُوضع في المناسبات. كراسٍ مثبّتة في الأرض. رقم مختوم على قطعة كرتون. مكبّر صوت يخشخش بأسماء لا تُسمع أبدًا كاملة. ومن حولها، أمهات بأكياس الحلوى، وزوجات بملفات، وطفل يلوّن رسمًا على ركبته. كان قد رسم بيتًا بمدخنة، كأن بيوت هذا المكان لها مداخن.

فتّشت حقيبتها عشرين مرة في الصباح. وضعت فيها صورة، ثم أخرجتها. وضعت منديلًا، ثم كتابًا، ثم لا شيء.

عند الباب، كان حاجّ ببذلة رسمية يقرأ اللائحة دون أن يرفع عينيه.

— نمرة واحد وربعين.

كانت هي.

في قاعة الزيارة صفّان من الطاولات يفصل بينهما زجاج سميك، مخدوش من سنوات من الأيادي الموضوعة في المكان نفسه. جلست. في الجهة الأخرى، كان الكرسي فارغًا. ثم انفتح باب، ودخل.

كان قد نحف، أكثر. أو لعلّه الضوء. ابيضّ شعره عند الصدغين، بياضًا لم يختره. جلس، ووضع يديه على الطاولة، ثم سحبهما في الحال، كأنه يخشى أن يتركهما تتكلمان.

— باينة عليك عيانة، قال.

كادت تضحك.

— حتى نتا.

بقيا لحظة دون كلام. خشخش مكبّر الصوت باسم. بكى أحدهم، على بعد طاولتين، دون صوت، بذلك التحفّظ الذي يُتعلَّم هنا.

كانت قد ردّدت هذه الجملة ليالي طويلة. في المطبخ، وفي الحافلة، وأمام المرآة. قالتها بصوت خافت، وبصوت عالٍ، بغضب، وبلطف. ولم تكن أي صيغة هي الصحيحة.

كانت يداها ترتجفان. أخفتهما تحت الطاولة.

— جيت نگول ليك شي حاجة.

لم يُجب. كان قد فهم. الرجال المحبوسون يفهمون كل ما له صلة بالهجران. إنه علمهم الوحيد.

— ما بقيتش قادرة، قالت.

كان صوتها هادئًا. فاجأها ذلك.

— ما بقيتش قادرة نعيش فقاعة الانتظار.

حدّق في الزجاج، في نقطة ما بمحاذاة كتفها.

— سبع سنين، تابعت. درت كلشي. صبرت ملّي مشات مّك. صبرت ملّي بّاك بطّل ما يجيش. صبرت قدّام الجيران، قدّام عائلتي، قدّام الناس كاملين. كانوا كيگولو ليا راكي شجاعة. واش عارف شنو كتعني شجاعة؟ كتعني بوحدك.

أغمض عينيه.

— أنا ما خليتكش، قالت. أنا كنسلّك راسي.

ظنّت أن هذه الجملة ستحرّرها. فاكتشفت أنها ثقيلة على القائل بقدر ما هي ثقيلة على السامع.

سعل الحاج من الخلف. كان وقت الزيارة يوشك أن ينتهي. أرادت أن تمدّ يدها، فضغطتها على الزجاج. ورفع هو يده، ببطء. لم تتلامس الكفّان. ولن تتلامسا أبدًا بعد ذلك.

نهضت. مشت حتى الباب دون أن تلتفت، لأنها كانت تعلم أنها إن التفتت، ستبقى.

في الخارج، كانت السماء تمطر. لم تفتح مظلّتها.

الخيط · سنة 2018، خلف زجاج قاعة الزيارة، تودّع امرأة رجلًا بعد سبع سنوات من الانتظار. لا يُنطق أي اسم.

للتفكير · من هما هذان الظلّان، وما الذي فرّق بينهما؟ احتفظوا بهذا الوجه في الذاكرة: سيعود.


→ الفصل السابق: الطاكسي
الفصل التالي: المقهى ←

حيّ البحر · Hay El Bahr — رواية · الجزء الأول · الفصل الكبير الأول: الوهم · الفصل 3 من 46

الدار البيضاء، فبراير 2011

كان مطر خفيف يتساقط على شارع محمد الخامس، من ذلك الذي لا يبلّل حقًا، لكنه يجعل المدينة تلمع كرصيف في فيلم.

في مقهى مليء بالدخان وسط المدينة، كان ستة شبان يحتلون الطاولة الكبيرة في العمق، تلك التي تُترك للزبائن الذين لا يطلبون شيئًا ويمكثون ساعات. حواسيب محمولة مفتوحة. أسلاك تجري من مقبس إلى آخر. كؤوس شاي بردت ونسي أصحابها شربها. وعلى كل شاشة، الصور نفسها: ساحة كبيرة، وأعلام، وحشود تهتف بالعربية بكلمة يفهمها الجميع.

— شوفو هادشي، قال ياسين. شوفو هاد الوجوه.

كان في الثانية والثلاثين، بياقة قميص سيئة الكيّ ونظارات يرفعها كل ثلاث دقائق. درس في فرنسا، وعاد منها مقتنعًا بأن الصحافة قادرة على تغيير العالم، ولم يجد بعدُ وسيلة ليُثبت ذلك.

— إلى كان ممكن تمّا، قال، علاش ما يكونش ممكن هنا؟

— حيت هنا، قال حمزة، عندنا بزاف ديال القهاوي.

ضحكات قليلة. كان حمزة في الثالثة والعشرين، بسترة خفيفة أكثر مما يحتمله الفصل. يتكلم بصوت عالٍ، ويتحرك كثيرًا، ولا يستقر في مكان. كان قد شارك في ثلاث مظاهرات، وينوي المشاركة في كل ما سيأتي.

— أنا كنتكلم بالجد، قال ياسين. غادي نطلق جريدة رقمية. ماشي موقع، جريدة بصح. تحقيقات. فيديوهات. نقاش. مع أي واحد عندو شي حاجة يگولها.

— وبأش من فلوس؟ سأل صوت هادئ.

لم تكد سلمى تتكلم منذ ساعة. كانت في الثامنة والعشرين، وبجانب فنجانها كاميرا صغيرة، ولها عادة النظر إلى الناس نظرًا حقيقيًا. كانت تصوّر منذ الآن. لا لتعرض. بل لتحفظ.

— غادي نلقاوها، قال ياسين.

— ديما كنلقاوها، قال رجل لم يكن قد فتح فمه بعد.

كان مراد أكبرهم سنًّا، في الخامسة والثلاثين، وأكثرهم ارتياحًا. كان يرتدي سترة ليست سترة مناضل. ابتسم لياسين، ابتسامة تجعلك ترغب في تصديق كل ما سيقوله بعدها.

— ماشي الفلوس هي المشكل، قال. المشكل هو نعرفو شكون اللي غادي نطلبو منو. وشنو غادي نعطيوه فالمقابل.

— أنا ما غادي نعطي والو، قال ياسين.

— ديما كنعطيو شي حاجة.

رفع عادل، في طرف الطاولة، عينيه عن شاشته. ستة وعشرون عامًا، وصوت رصين، ومناضل لا يعرفه أحد بعد. كان يقرأ منذ ساعة نصًّا عن العدالة الانتقالية، ووجد الآخرين صاخبين بعض الشيء.

— المشكل الحقيقي، قال، هو نعرفو شنو بغينا. ماشي شنو رافضين.

— بغينا كلشي، قال حمزة.

— ما يمكنش تبغي كلشي.

— علاش لا؟

كمال، الجالس بجانب عادل، لم يقل شيئًا. كان يدير ملعقته في كأس فارغة، بتلك الابتسامة الساخرة قليلًا لمن يتفرج على المشهد من جانبه. كان قد فهم منذ زمن أن قهوة هذا المساء ستكلّف أكثر من شاي الظهيرة، وفتّش جيوبه مرتين.

— وأنا بغيت فيلم، قالت سلمى. فيلم بصح. عليهم.

أشارت إلى الشاشات، ثم إلى القاعة، ثم إلى الشارع خلف الزجاج.

— علينا حنا.

لم يلتقط أحد كلامها. كانوا منشغلين بالكلام في الوقت نفسه. لكلٍّ منهم مشروع، واستعجال، وفكرة يظنها فريدة. ياسين يريد جريدة. حمزة يريد مظاهرة. سلمى تريد صورًا. مراد يريد أن يجد مستثمرين ولا يقول ذلك تمامًا. عادل يريد أن يفهم. كمال يريد أن يكون أصدقاؤه على حق.

كانوا جميعًا يظنون أنهم يدخلون التاريخ.

مرّ النادل الذي يقدّم القهوة بين الطاولات، وصينيته في توازن. وضع كأسي شاي، وجمع ثلاثة فناجين فارغة، ومدّ الحساب لشخص لم ينظر إليه. ثم اختفى خلف الكونطوار. لم يحفظ أحد اسمه. لم يسأل عنه أحد قط.

على بعد طاولتين، كان رجل يجلس وحده.

لم يكن يدوّن شيئًا. لم يكن يستعمل أي هاتف. طلب قهوة سوداء لم يكد يشربها. كان يُصغي. فقط. لم تكن نظرته تستقر على أي وجه، ومع ذلك بدا كأنه يعرفهم جميعًا.

من كان يعرف هذا الصنف من الرجال كان سيقول: حنش، مثل الأفعى. لكن لا أحد، حول تلك الطاولة، كان يعرف هذا الصنف من الرجال بعد.

في الخارج، كان المطر يواصل تساقطه. لم يكن يسقط بقوة. كان يسقط بصبر.

وعلى الطاولة الكبيرة، كرّر ياسين، بصوت أخفض، لنفسه:

— إلى كان ممكن تمّا…

وضع الرجل الوحيد فنجانه. نهض دون صوت، وترك ورقة نقدية على الطاولة، وخرج تحت المطر.

الخيط · فبراير 2011: ستة شبان يحلمون بجريدة، وبفيلم، وبمظاهرات. ووحيدًا في عمق المقهى، رجل يُصغي دون أن يدوّن شيئًا.

للتفكير · من حول هذه الطاولة لا يقول كل ما يريده حقًا؟ وعمّ يبحث رجل القهوة السوداء؟


→ الفصل السابق: قاعة الزيارة
الفصل التالي: ملعب الكرة ←

شارك هذا المقال :
فيسبوكتويتر
📰 اقرأ أيضاً
اقتصاد واستثمار

الفوسفاط وجامعته: الكلية ردّت علينا، والمركز لم يرد. هذا ما تعلمناه

سألنا كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وكلاهما يديره السيد كريم العيناوي. ردّت الكلية بالأرقام، ولم يرد المركز. ما ثبت، وما يبقى معلقا، وما تقوله الموارد البشرية.

سياسة ومجتمع

29 أكتوبر: المهدي بن بركة والحسين المانوزي، مختفيان في التاريخ نفسه، والحقيقة ما تزال غائبة

يوم 29 أكتوبر 1965، اختُطف المهدي بن بركة في باريس. ويوم 29 أكتوبر 1972، اختُطف الحسين المانوزي في تونس. ولم يُعثر على أي منهما قط. كلمة هيئة التحرير إلى العائلات، وأين وصلت العدالة والحقيقة.

أقلام حرة

29 أكتوبر 1965: يوم اغتيال المهدي بن بركة واغتيال الديمقراطية في بلادنا

في ذكرى اختطاف المهدي بن بركة، يعود البدالي صافي الدين إلى سؤال يطرحه جيل بعد جيل: لماذا تأخرت الديمقراطية في المغرب؟ من مؤتمر القارات الثلاث إلى سنوات الجمر والرصاص و«محاكمة الوزراء»، قراءة في كلفة تصفية الأصوات الحرة والإفلات من العقاب.

← العودة إلى الأخبار
إعلان
📢بانر الفوتر728×90 — Footer Leaderboard · AdSense
اكتبوا معنا