أين ذهبت 31.5 مليار درهم؟ هذه الإعفاءات تفوق ميزانية الصحة.. ولا أحد يعيد التصويت عليها أبداً
كل سنة، تُناقَش ميزانية الصحة، بنداً بنداً، أمام البرلمان. كل درهم يُجادَل فيه، يُقارَن، وأحياناً يُقتطع. الأمر نفسه بالنسبة لميزانية التعليم الوطني. لكن هناك، في المالية العمومية المغربية، كتلة مالية تفوق بضعفين تقريباً الميزانية السنوية لوزارة الصحة، ولا تعود أبداً أمام أي جهة لإعادة النظر فيها: النفقات الجبائية.
رقم يثير الانزعاج
يقدّر تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور في 8 يوليوز 2026، كلفة الإعفاءات والتخفيضات والأنظمة الضريبية الاستثنائية الممنوحة تلك السنة بـ31.49 مليار درهم. ولإعطاء فكرة عن الحجم: هذا المبلغ يفوق وحده الميزانية السنوية الكاملة لوزارة الصحة، ويمثل ما يقارب 43% من ميزانية التعليم الوطني — وهما ميزانيتان تخضعان كل خريف لتصويت برلماني متنازع عليه.
هذا الفرق في المعاملة ليس تفصيلاً تقنياً. فبحسب القانون المالي، لا تحتاج النفقة الجبائية إلى إعادة الترخيص بها كل سنة كما هو الحال بالنسبة للنفقة المباشرة: فبمجرد إدراجها في المدونة العامة للضرائب، تستمر في إنتاج آثارها بشكل تلقائي، إلى أن يأتي قانون يعدّلها أو يلغيها صراحة. وبعبارة أخرى، فإن الجمود يخدم النفقة الجبائية، بينما يعاقب النفقة الاجتماعية.
فراغ في المراقبة
يوثّق تقرير المجلس هذا الفراغ بدقة: من أصل 268 تدبيراً ضريبياً استثنائياً محصياً سنة 2024، لم تخضع 39 تدبيراً لأي تقييم لكلفتها. كما أن 97% من القيمة الإجمالية للنفقات الجبائية تعود إلى تدابير اعتُمدت قبل سنة 2020 — لم تُعَد دراستها منذ ذلك الحين.
عبر هذا الملف أغلبيتان سياسيتان مختلفتان دون أن يُفتح: حزب العدالة والتنمية إلى غاية أكتوبر 2021، ثم تحالف التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال منذ ذلك الحين. مقالنا السابق كان قد وثّق هذه الاستمرارية من زاوية مغاربة العالم؛ وهي تستحق أن تُطرح هنا بشكل أوسع، كسؤال مؤسساتي: كيف يمكن لملف يمثل عشرات المليارات من الدراهم أن يبقى خارج مجال الرؤية السياسية، أياً كان الحزب الحاكم؟
بعض الأصوات، في المغرب، ترى في ذلك دليلاً على أن التوجهات الاقتصادية الكبرى تفلت فعلياً من الحكومات المنتخبة. هذه قراءة يدافع عنها جزء من منتقدي النظام السياسي المغربي، لكنها ليست استنتاجاً يسمح تقرير المجلس بتأكيده: فالمجلس يوثّق خللاً في المراقبة، دون أن يعزو سببه لأي جهة بعينها. فيما يطرح مراقبون آخرون تفسيراً أكثر واقعية: التعقيد التقني لهذه الملفات، وغياب موارد بشرية مخصصة لتقييمها، ووزارة للمالية تجمع بين صفتي الخصم والحكم — فهي التي تمنح الامتيازات وهي المفترض أن تقيس آثارها.
ما تعلّمه تجارب دول أخرى.. وأين تفشل
المغرب ليس أول بلد يواجه هذا الإشكال. أجرت فرنسا، سنة 2011، أعمق تقييم أُنجز على الإطلاق لنفقاتها الجبائية الخاصة: خلص “تقرير غيوم” إلى أن نحو ثلثي التدابير المقيَّمة — أي ما يقارب 40 مليار أورو — كانت ضعيفة الفعالية أو منعدمتها.
لكن ما تلا ذلك درس بليغ: لم يُعَد هذا التقييم أبداً بنفس الحجم منذ ذلك التاريخ، وكانت آليات المتابعة التي وُضعت لاحقاً محدودة الأثر. والنتيجة: رغم هذا الاستنتاج الصادم، واصل المجموع الإجمالي للنفقات الجبائية الفرنسية ارتفاعه في السنوات الموالية. والدرس واضح: يبقى التقييم، مهما بلغت دقته، بلا أثر إن لم يقترن بنتيجة تلقائية.
خمس مقترحات للمنتخبين والمؤسسات القادمة
1. بند انقضاء تلقائي. تنتهي كل نفقة جبائية بعد مدة محددة (5 سنوات مثلاً) ما لم يُعَد التصويت عليها صراحة بناءً على نتائج مثبتة. اقتراح تبناه في فرنسا سنة 2025 النائب مارك فيراتشي؛ وتُظهر تجربة “تقرير غيوم” أن الطابع التلقائي هو بالضبط ما ينقص لتحويل التقييم إلى فعل.
2. تقييم مستقل عن وزارة المالية. على غرار مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي أو المدير البرلماني للميزانية في كندا، من شأن هيئة منفصلة عن الجهة المانحة للامتيازات أن تُخرج المنظومة من منطق الخصم والحكم.
3. جدولة تقييم دورية منصوص عليها قانوناً. بدل تصويت سنوي — لا تفرضه حتى فرنسا على هذه النفقات — يُفحص خُمس التدابير الضريبية كل سنة، بحيث يمر مجموع المخزون بالمراجعة على امتداد ولاية تشريعية كاملة.
4. تفصيل عمومي حسب فئة المستفيدين، كما يقتضيه القانون الفرنسي: نشر كل نفقة جبائية مرفقة بكلفتها وأهدافها المعلنة ونتائجها المسجَّلة.
5. ثلاث مقترحات خاصة بجسر ميديا، مصممة للسياق المغربي:
- “بند مغاربة العالم” يفرض، على كل تدبير يُقدَّم كمستفيد منه مغاربة العالم، تفصيلاً عمومياً حسب صفة الإقامة؛
- مقعد استشاري لجمعيات مغاربة العالم (منتدى التواصل، مجلس الجالية المغربية بالخارج) في تقييم التدابير التي تستهدفهم؛
- تقاطع قواعد البيانات القائمة (مكتب الصرف، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية) لإنتاج، دون بيروقراطية جديدة، تقرير سنوي لتتبع العلاقة بين التحويلات والاستثمار الفعلي.
السؤال الذي يبقى مطروحاً
لا شيء مما سبق يفترض أن كل تدبير قديم عديم الجدوى بالضرورة، ولا أن كل إصلاح جذري خالٍ من المخاطر: فمحاولات التقليص الشامل المطبقة في دول أخرى غالباً ما ضربت، دون تمييز، تدابير مفيدة وأخرى غير مفيدة، بسبب غياب استهداف دقيق. لذا فالحذر واجب عند التنفيذ.
لكن الملاحظة الأولى تبقى قائمة كاملة: مجلس أعلى للحسابات يكرر نفس التنبيه منذ 2020، تحت أغلبيتين مختلفتين، دون أثر ملموس. الاختبار الحقيقي لن يكون في الوعود الانتخابية المقبلة، بل في أول قانون مالية يعقب الانتخابات القادمة — وفي قدرة المنتخبين الجدد على تحويل تقرير إضافي إلى قاعدة تُطبَّق فعلاً.
يندرج هذا المقال ضمن سلسلة التحليل التي تنشرها جسر ميديا استناداً إلى التقارير الرسمية.
عبد السلام مجلاوي، مؤسس جسر.ميديا




