نشرة جسرمن نحن✍️ اكتبوا معنا🌐 الرئيسية
الخميس، 29 أكتوبر 2026🤝 شريك أو معلن؟ تواصلوا معنا ←
إعلان
📢مساحة إعلانية728×90 — Leaderboard · AdSense / Ezoic
🗳️ الانتخابات
🔴 مباشر
أقلام حرة

حين يصبح البحر أقرب من الوطن؟

قراءة تأملية في صور الهروب الجماعي نحو سبتة يوم 30 يوليوز 2026: لماذا يصبح البحر، بكل ما يحمله من خطر، خيارا يمكن التفكير فيه بالنسبة لآلاف الشباب المغربي؟

حين يصبح البحر أقرب من الوطن؟

صورة الغلاف: السياج الحدودي بين المغرب وسبتة (ماريو سانشيز بوينو / ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 2.0).

يبدأ كل شيء بصورة…

شباب يركضون بكل ما أوتوا من قوة نحو البحر — لا هربا من رصاص، ولا من حرب، ولا من مجاعة. يركضون لأنهم يعتقدون أن الضفة الأخرى تمنحهم فرصة لن يجدوها هنا.

تلك الصورة وحدها تكفي لتجعل كل الأرقام التي ستأتي بعدها مجرد هوامش.

لا تبدأ المأساة بعدد القتلى، ولا بعدد المهاجرين. بل تبدأ في اللحظة التي يقرر فيها الشباب أن حياتهم لم تعد أغلى من احتمال فقدانها.

الصور التي اجتاحت العالم يوم الخميس 30 يوليوز 2026 لم تكن مجرد مشهد لهجرة جماعية نحو سبتة. كانت مشهدا يصعب على أي مغربي أن يراه دون أن يشعر بشيء ينكسر في داخله — آلاف الأجساد تركض في اتجاه واحد، أطفال وشباب ونساء ورجال، يسبق بعضهم بعضا نحو البحر، وكأن اليابسة نفسها أصبحت تطاردهم.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية. ليست قصة حدود، ولا قصة هجرة، ولا حتى قصة مدينة اسمها سبتة — بل قصة جيل كامل تغيرت علاقته بفكرة البقاء والرحيل.

توقفت وسائل الإعلام عند عدد الضحايا، ثم عند عدد الذين أُعيدوا. لكن خلف كل رقم رواية لا تظهر في البيانات الرسمية.

والرقم الأكثر إثارة للأسئلة هو عدد الذين اتخذوا قرار المخاطرة. عشرات الآلاف قرروا في فترة زمنية قصيرة أن يخوضوا الطريق نفسه.

وهنا يظهر سؤال يتجاوز الخبر: كيف يصبح البحر، بكل ما يحمل من خطر، خيارا يمكن التفكير فيه؟ وكيف يصل الإنسان إلى اللحظة التي يرى فيها احتمال الغرق أقل رعبا من احتمال البقاء؟

الوجهة في هذه الحالة ليست دولة مستقلة، بل مدينة مغربية محتلة وفق الموقف الرسمي المغربي، ومدينة إسبانية ذات وضع خاص وفق الموقف الإسباني. ومع ذلك أصبحت بالنسبة إلى جزء من هؤلاء الشباب نقطة عبور محتملة نحو حياة أخرى.

وهنا تظهر المفارقة الأقسى: كيف تحولت مدينة تحمل كل هذا الثقل التاريخي والسياسي إلى رمز للفرصة في مخيال بعض الشباب؟

قد يبدو ما حدث يوم 30 يوليوز انفجارا مفاجئا — لكن كل انفجار كبير تسبقه دائما علامات صغيرة. فقبل التدفق الجماعي، كانت سبتة تعيش ضغطا متزايدا بسبب وصول أعداد كبيرة من المهاجرين، وصرّحت سلطات المدينة بأن مراكز الاستقبال تواجه وضعا استثنائيا، وحذّر رئيس حكومة سبتة من حالة طوارئ مرتبطة بتزايد أعداد الوافدين.

إذن ما حدث لم يولد في ذلك اليوم فقط. بل كان هناك مسار يتشكل، إشارات مرت دون أن تتحول إلى إنذار حقيقي.

أما تزامن الحدث مع ذكرى عيد العرش فيفتح بابا واسعا من التساؤلات. هل كان مجرد توافق زمني؟ هل استغلت جهات معنية هذا التوقيت لإنتاج صورة سياسية معينة؟ أم هل يمكن أن تكون هناك عوامل خارجية حاولت استثمار لحظة حساسة؟

لا يمكن تجاهل البعد الدبلوماسي للحدود المغربية الإسبانية، حيث سبق أن ارتبط تدبير ملف الهجرة بتوترات سياسية بين البلدين. فهل كان ما حدث مجرد انفجار اجتماعي؟ أم أن الحدود تحولت مرة أخرى إلى مساحة تتقاطع فيها الحسابات الإنسانية والسياسية؟

هذه أسئلة مشروعة في ظل تعقيد العلاقات الإقليمية — لكن الإجابة عنها تحتاج إلى أدلة لا انطباعات، لأن الأحداث الكبرى غالبا لا تحمل تفسيرا واحدا.

وحتى لو استبعدنا كل ذلك، يبقى السؤال الأصعب قائما: لماذا وجد هذا الخطاب وهذه الدعوات وهذا الحلم طريقه إلى عشرات الآلاف؟ فالشرارة الخارجية لا تكفي وحدها لإشعال نار دون وجود مادة قابلة للاشتعال.

الفقر ليس نتاج سنوات قريبة، والغلاء المعيشي لم يولد بالأمس، وحتى نسب البطالة لم ترتفع بين عشية وضحاها، وانعدام الثقة في المؤسسات السياسية أصبح مشهدا طبيعيا اليوم. فلم يسبق للمغرب أن كان مهدا للفرص، ولا طريقا معبدا للعيش الكريم — بل دوما هناك اختلال في التوزيع وشعور بعدم التكافؤ.

لكن كل هذه الأسباب لن تفسر أبدا هذا الانفلات الغريب. فلطالما وجدت عوامل أسرية واجتماعية وثقافية تحول دون الهروب من استقلالية الوطن إلى أحضان الأراضي المحتلة، إن صحت تسميتها بذلك.

من زاوية أخرى هناك سبب قد يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره. فاليوم، قبل أن يصل المهاجر إلى البحر، يكون قد عبر رحلة أخرى داخل الصور والفيديوهات والقصص التي تُروى عن الضفة الأخرى.

فالشاب الذي كان يسمع عن أوروبا أصبح يراها، والذي كان يحلم بها أصبح يعيش معها يوميا — وهذه المسافة بين الواقع والصورة قد تكون أحيانا أخطر من المسافة بين الضفتين.

قد تنتهي هذه الأحداث بإعادة آلاف المهاجرين، وقد تُغلق الحدود من جديد، وقد تتغير الأرقام في الأيام المقبلة. لكن السؤال الذي تركه هذا الهروب الجماعي لن يختفي — لأن القضية لا تحكمها الإحصائيات، بل لحظة أصبح فيها الآلاف مستعدين لخسارة الكثير من أجل احتمال.

نختلف حول الأسباب، والمسؤوليات، والحلول. وتبقى حقيقة واحدة كشفتها الصور: عندما يصبح ذلك المجهول أكثر جاذبية من المستقبل القريب، فالمشكلة لا تكون في البحر وحده، بل في المسافة التي يشعر بها الإنسان بينه وبين الأمل.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نجد إجابته بعد سبتة هو: كيف نجعل الشباب لا يرون البحر طريقهم الوحيد؟


سؤال من هيئة التحرير

في نفس روح التساؤل الذي يطرحه هذا المقال، تسجل هيئة تحرير جسر.ميديا ملاحظة تستحق نقاشا عموميا: الرد الرسمي المغربي على أحداث سبتة لم يصدر إلا متأخرا، في شكل بلاغ لوزارة الداخلية، دون أن يتصدر المشهد رئيس الحكومة أو وزير الداخلية شخصيا بكلمة مباشرة. وفي المقابل، التزمت الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية صمتا شبه تام طيلة الأيام الأولى، بينما بادرت أحزاب المعارضة ونقابات إلى المطالبة بفتح نقاش عمومي وتشكيل لجنة تحقيق. أليس هذا التفاوت في مستوى الرد وسرعته جزءا من المسافة التي يتحدث عنها هذا المقال بين الشباب ودولتهم؟


عن الكاتبة

مريم القبش — متعاونة مع جسر.ميديا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبتها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجسر.ميديا.

المواضيع:🌊 المغرب وإسبانيا: سبتة ومليلية🎓 الشباب وجيل زد
شارك هذا المقال :
فيسبوكتويتر
📰 اقرأ أيضاً
اقتصاد واستثمار

الفوسفاط وجامعته: الكلية ردّت علينا، والمركز لم يرد. هذا ما تعلمناه

سألنا كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وكلاهما يديره السيد كريم العيناوي. ردّت الكلية بالأرقام، ولم يرد المركز. ما ثبت، وما يبقى معلقا، وما تقوله الموارد البشرية.

سياسة ومجتمع

29 أكتوبر: المهدي بن بركة والحسين المانوزي، مختفيان في التاريخ نفسه، والحقيقة ما تزال غائبة

يوم 29 أكتوبر 1965، اختُطف المهدي بن بركة في باريس. ويوم 29 أكتوبر 1972، اختُطف الحسين المانوزي في تونس. ولم يُعثر على أي منهما قط. كلمة هيئة التحرير إلى العائلات، وأين وصلت العدالة والحقيقة.

أقلام حرة

29 أكتوبر 1965: يوم اغتيال المهدي بن بركة واغتيال الديمقراطية في بلادنا

في ذكرى اختطاف المهدي بن بركة، يعود البدالي صافي الدين إلى سؤال يطرحه جيل بعد جيل: لماذا تأخرت الديمقراطية في المغرب؟ من مؤتمر القارات الثلاث إلى سنوات الجمر والرصاص و«محاكمة الوزراء»، قراءة في كلفة تصفية الأصوات الحرة والإفلات من العقاب.

← العودة إلى الأخبار
إعلان
📢بانر الفوتر728×90 — Footer Leaderboard · AdSense
اكتبوا معنا