في رسالتها الثانية ضمن ركن «النقاش بين الشباب»، تكتب هاجر مجدولي، المراهقة من الدار البيضاء، عن معركة يعيشها كثير من المراهقين في صمت: حزن لا يجد كلماته، وخوف من ألّا يفهمهم أحد، ومقارنات لا تنتهي. وتحكي تجربة شخصية مؤلمة. نصٌّ صادق ننشره: وجهة نظر شابة تفتح النقاش ولا تغلقه.
وأنتم، ماذا تقولون؟ شاركونا آراءكم وتجاربكم: jisrmedia@jisr.media
أنا أيضًا مراهقة، وأعرف أن هذه المرحلة تحمل مشاعر يصعب فهمها أحيانًا. قد يجد المراهق نفسه حزينًا أو قلقًا أو تائهًا دون أن يعرف السبب، وتتزاحم الأفكار في داخله بينما يعجز عن التعبير عنها بالكلمات.
لكن، هل حاولنا يومًا أن نفهم مشاعر المراهق حقًا؟
للأسف، الجواب في الغالب: لا. بدل الاستماع إليه، يستهين البعض بمشاعره، أو يصفون حزنه بالمبالغة، أو يعتقدون أن مشكلاته بسيطة لأنه لا يزال صغيرًا. ومع الوقت، يتعلم المراهق أن يكتم ما يشعر به، وأن التعبير ضعف، وأن عليه إخفاء ألمه حتى لا يتعرض للسخرية أو للأحكام القاسية.
وراء الابتسامة
وهكذا نرى مراهقًا يبتسم ويضحك ويبدو سعيدًا أمام الجميع، بينما يعيش في داخله صراعًا لا يستطيع الحديث عنه. ليس لأنه لا يريد أن يتكلم، بل لأنه يخاف ألّا يفهمه أحد، أو أن تتحول مشاعره إلى مادة للاستهزاء أو إلى نظرة شفقة.
أتذكر جيدًا يومًا كنت فيه سعيدة، وكان يومي يسير بشكل عادي، إلى أن سمعت في المساء خبر وفاة شخص عزيز على قلبي.
لم أستطع البكاء. جلست بهدوء أسترجع كل الذكريات التي جمعتني به، وكأن عقلي يحاول استيعاب ما حدث، وأنا عاجزة عن التعبير عما أشعر به.
وفي صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مدرستي وكأن شيئًا لم يحدث. واصلت يومي بصورة عادية، دون أن أُظهر ما أحمله في داخلي.
هل لاحظ أحد شيئًا؟ لا، للأسف.
ليس كل من يبتسم سعيدًا، وليس كل من يصمت لا يشعر بالألم.
في تلك اللحظة أدركت أن الإنسان لا يحتاج إلى البكاء أمام الآخرين حتى يكون ألمه حقيقيًا، وأن المظهر لا يخبرنا دائمًا بما يعيشه الشخص في داخله. قد لا تكفي تجربة واحدة لفهم كل المراهقين، لكنها جعلتني أتساءل: كم من شخص نراه سعيدًا، ولا نعرف شيئًا عن المعارك التي يخوضها؟
«لماذا لست مثلهم؟»
ومن أصعب ما قد يعيشه المراهق: المقارنة.
ترى شخصًا ينجح أكثر منك، ثم يأتي من يقول لك: «لماذا لست مثله؟ انظر كم هو ناجح! تعلّم منه!». أسئلة لا تنتهي، وعليك أن تثبت نفسك وأنت خائف.
أكثر ما يؤلم في المقارنة ليس أن يكون غيري أفضل مني في شيء، بل أن أبدأ في الاعتقاد بأن نجاحه دليل على فشلي. وأنسى أن امتلاك الآخرين لمواهب لا يعني أنني بلا موهبة، وأن تعثري اليوم لا يعني أنني لن أتقدم غدًا.
نحن لا نطلب أن تتوقفوا عن تشجيعنا على النجاح، بل ألّا تجعلونا نخاف من أنفسنا كلما رأينا نجاح شخص آخر.
وإلى كل مراهق يقرأ هذه السطور: توقّف قليلًا واسأل نفسك. هل هذا الطريق اخترته أنت، أم اخترته المقارنات؟ ربما قضيت وقتًا طويلًا تحاول إثبات نفسك للآخرين حتى نسيت أن تسأل نفسك عمّا تريده أنت. أحيانًا لا يكون السؤال الحقيقي «كيف أصبح مثلهم؟»، بل «هل هذه هي الحياة التي أريدها أنا، أم التي جعلوني أعتقد أن عليّ أن أعيشها؟».
استمعوا إلينا
المراهق لا يحتاج دائمًا إلى من يقدم له الحلول، أو يقول له إن ما يشعر به أمر بسيط. يحتاج أولًا إلى من يستمع إليه دون أحكام، ويحترم مشاعره دون أن يقلل من شأنها.
لا تفترضوا أن صغر سننا يعني أن مشاعرنا بسيطة، أو أن مشكلاتنا لا تستحق الاهتمام. نحن أيضًا بشر، نشعر بالحزن والخوف والقلق، ونمر بصراعات قد لا نستطيع تفسيرها حتى لأنفسنا. وقد لا نعرف كيف نطلب المساعدة، لكن هذا لا يعني أننا لا نحتاج إليها.
نحن لا نطلب منكم أن تفهموا كل ما نشعر به، بل أن تمنحونا فرصة للتعبير عنه دون خوف.
فقبل أن نحكم على مراهق بسبب صمته أو حزنه أو تصرفاته، لنتوقف لحظة ونسأل: هل نعرف حقًا ما الذي يعيشه في داخله؟ ربما كانت ابتسامته تخفي أسئلة كثيرة، وكان صمته يحمل مشاعر لم يجد لها الكلمات بعد.
هاجر مجدولي
الدار البيضاء، المغرب
ملاحظة من التحرير: إذا كنت تمر بفترة صعبة، فلا تبقَ وحدك. تحدث إلى شخص تثق به: أحد الوالدين، صديق، أستاذ، أو طبيب. طلب المساعدة ليس ضعفًا.
هذا منبركم أيها الشباب
«النقاش بين الشباب» ركن مفتوح لكم: للنقاش وتبادل الآراء والتجارب، باحترام ودون أحكام. اقرؤوا، علّقوا، وإن كانت لديكم فكرة أو قصة أو رأي، فاكتبوا لنا.
اكتبوا لنا أو عبر jisrmedia@jisr.media
للمزيد في جسر ميديا:
- هاجر تكتب: الفشل ليس عيبًا
- رواية مسلسلة: «حيّ البحر» لسليم حكيم، فصل كل يوم على جسر ميديا
- رسالة مفتوحة من طالبة: «لا تبقى مثابرتي استثناء»
- رسالة مفتوحة من طالبة: «هل ستصوتين هذه المرة؟»
- مدارس عليا، كليات مكتظة: الهوة الميزانياتية التي تعيشها نرجس ومريم يوميا
انتهت المقالة



